تعيش الصين أجواء الصين وكأس العالم 2026 بحماس لافت، رغم غياب منتخبها عن النهائيات. ففي بكين وشنغهاي ومدن كبرى أخرى، يتابع الملايين مباريات المونديال عبر المقاهي، والشاشات العملاقة، ومنصات التواصل الاجتماعي.
ولا يبدو هذا الشغف مفاجئا. فالصينيون لا يتعاملون مع كرة القدم كرياضة وافدة فقط. بل يرون فيها امتدادا لتاريخ قديم، بدأ قبل أكثر من ألفي عام مع لعبة “الكوجو”، التي تعد من أقدم الأشكال الموثقة للعب الكرة بالقدم.
وبين الكوجو القديمة وملاعب أمريكا الشمالية الحديثة، تبدو علاقة الصين بكرة القدم عميقة ومركبة. فالمنتخب الصيني يغيب عن المنافسة. لكن الجماهير والشركات والحكام والمنصات الرقمية الصينية تحضر بقوة في المشهد المونديالي.
الصين وكأس العالم 2026.. حضور بلا منتخب
لم يشارك المنتخب الصيني في نهائيات كأس العالم سوى مرة واحدة، خلال نسخة 2002. ومع ذلك، تحظى البطولة بمتابعة واسعة داخل البلاد. فالمباريات تجذب ملايين المشاهدين، حتى عندما تبث في ساعات متأخرة من الليل أو مع بزوغ الفجر.
وتمدد مقاه كثيرة في المدن الكبرى ساعات عملها لاستقبال عشاق الكرة. كما تنشط الشاشات العملاقة في بعض الفضاءات العامة. وتتحول منصات التواصل إلى ساحات نقاش مفتوحة حول المنتخبات المرشحة، ونجوم البطولة، والقرارات التحكيمية.
ويتوزع تشجيع الجماهير الصينية بين منتخبات عالمية كبرى. وتحضر أسماء مثل البرازيل، والأرجنتين، وفرنسا، وإسبانيا، والبرتغال، والمغرب في النقاشات اليومية. لكن القاسم المشترك يبقى هو حب اللعبة نفسها.
وتكشف هذه الصورة مفارقة واضحة. فالصين لا تملك منتخبا حاضرا على أرضية المونديال. لكنها تملك جمهورا كبيرا، واقتصادا رياضيا ضخما، وارتباطا تاريخيا قديما بالكرة.
الكوجو.. أصل قديم لشغف متجدد
تعود جذور هذا الشغف إلى لعبة “الكوجو”. ويعني اسمها حرفيا “ضرب الكرة بالقدم”. وظهرت اللعبة خلال فترة الممالك المتحاربة، قبل أن تزدهر في عهد أسرة هان.
في بداياتها، خدمت الكوجو أغراضا عسكرية. فقد استخدمها الجنود لتنمية التوازن، والرشاقة، والتنسيق، وروح العمل الجماعي. وكانت قواعدها تقوم على التحكم في الكرة بالقدم، دون استعمال اليدين.
ومع مرور الزمن، خرجت الكوجو من الثكنات إلى الساحات العامة. ثم تحولت، خلال عهدي تانغ وسونغ، إلى نشاط ترفيهي واسع الانتشار. مارسها الأباطرة، والمثقفون، والتجار، والنساء، والأطفال.
وتشير المصادر التاريخية إلى تنظيم مباريات واستعراضات مهارية حول هذه اللعبة. كما تحولت الكرة إلى وسيلة للتقارب بين فئات اجتماعية مختلفة. وهنا يظهر جوهر كرة القدم كما نعرفها اليوم: لعبة تجمع الناس حول كرة واحدة.
الشركات الصينية في قلب المونديال
لا يقتصر حضور الصين في كأس العالم على المشاهدة. فالشركات الصينية تشارك في مكونات كثيرة من البطولة. ويشمل ذلك تصنيع الكرات المزودة بشرائح إلكترونية، وإنتاج التذكارات الرسمية، وتوفير الشاشات العملاقة، والتجهيزات التقنية، ومنصات البث.
وتلعب أقاليم صناعية صينية دورا مهما في سلاسل الإمداد المرتبطة بالمونديال. وتبرز تشجيانغ، وخاصة مدينة ييوو، إلى جانب غوانغدونغ وشاندونغ، كمراكز تزويد لمنتجات وتجهيزات مرتبطة بالحدث.
ويمتد الحضور الصيني إلى مجالات الإشهار والبث التلفزيوني، وتقنيات التحكيم بالفيديو. كما تضم قائمة حكام البطولة ثلاثة حكام صينيين، هم ما نينغ، وفو مينغ، وتشو فاي.
وتعيد هذه المعطيات إلى الواجهة عبارة شهيرة للإعلامي الصيني باي يانسونغ خلال مونديال 2018. فقد قال إن كل ما هو صيني يشارك في كأس العالم، باستثناء المنتخب الوطني. وبعد ثماني سنوات، ما زالت العبارة حاضرة في النقاش العام الصيني.
مفارقة تثير النقاش داخل الصين
تثير هذه المفارقة أسئلة كثيرة داخل الصين. كيف يمكن لبلد يملك هذا التاريخ الكروي، وهذا الحجم الجماهيري والاقتصادي، أن يبقى خارج المنافسة الرياضية في كأس العالم؟
ولا يرتبط السؤال بالمنتخب الأول فقط. بل يمتد إلى منظومة التكوين، والدوري المحلي، وتطوير المواهب، وربط القاعدة الشعبية بالمشروع الرياضي. فالشغف وحده لا يكفي لصناعة منتخب قوي على المستوى العالمي.
ومع ذلك، لا يغيب الأمل. فالجمهور الصيني يواصل متابعة اللعبة بشغف. والشركات الصينية تواصل الاستثمار في الاقتصاد الرياضي. كما يمنح حضور الحكام الصينيين في البطولة صورة عن وجود الصين داخل منظومة كرة القدم الدولية.
وتبدو كأس العالم 2026 فرصة جديدة لإحياء النقاش. فالمونديال يذكر الصينيين بإرث الكوجو، لكنه يذكرهم أيضا بغياب المنتخب. وبين الفخر التاريخي والحسرة الرياضية، تستمر علاقة الصين بالكرة.
إرث يتجاوز الزمن
في أحد منتزهات بكين، يتبادل مراهقون التمريرات فوق ملعب حديث. وفي الوقت نفسه، يتابعون مباريات كأس العالم عبر هواتفهم. قد تبدو الصورة عصرية جدا. لكنها تحمل روحا قديمة، بدأت قبل قرون طويلة مع الكوجو.
تغيرت القوانين، وتطورت الملاعب، وصارت الكرة صناعة عالمية كبرى. لكن المشهد الأساسي بقي كما هو. قدم تلمس الكرة، وجمهور يترقب، وشغف ينتقل بين الأجيال.
ولعل قيمة الكوجو لا تكمن فقط في كونها شكلا قديما لكرة القدم. بل تكمن في الفكرة التي حملتها. فهذه اللعبة أثبتت، منذ قرون، أن كرة بسيطة قادرة على جمع الناس، وخلق ذاكرة مشتركة، وصناعة لغة عابرة للثقافات.
وهكذا، تبدو الصين حاضرة في مونديال 2026 بطريقتها الخاصة. قد يغيب منتخبها عن الملاعب. لكن تاريخها، وجماهيرها، وشركاتها، وحكامها، يثبتون أن علاقة الصين بكرة القدم أعمق من بطاقة تأهل واحدة.