تسعى شركة أنثروبيك، المطورة للمساعد الذكي «كلود»، إلى إقناع المشرعين الأميركيين بإقرار قانون ينظم سلامة نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورا.
ويتيح المقترح للحكومة الأميركية طلب وقف إطلاق نموذج أو استخدامه. وذلك إذا شكل خطرا وشيكا على حياة أكثر من 50 شخصا أو تسبب في أضرار تتجاوز مليار دولار، شريطة الحصول على موافقة قضائية.
وأكدت الشركة، الجمعة 16 أكتوبر 2026، أنها تتداول مشروع القانون مع أعضاء في الكونغرس. وذلك في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة تفتقر إلى إطار فدرالي شامل لمعالجة مخاطر النماذج المتقدمة. وكشف موقع «بوليتيكو» تفاصيل المسودة، استنادا إلى مصادر مطلعة على المبادرة.
ولا يقتصر المقترح على منح السلطات صلاحيات للتدخل عند ظهور مخاطر جسيمة. بل يشمل أيضا إلزام الشركات بإجراء اختبارات للسلامة، ونشر ملخصات لنتائجها، والخضوع لتقييمات مستقلة. كما يفتح النقاش بشأن حدود سلطة الحكومة الفدرالية وعلاقة التشريع المقترح بالقوانين التي تعتمدها الولايات الأميركية.
قانون أنثروبيك للذكاء الاصطناعي يحدد شروط التدخل الحكومي
يقترح مشروع القانون وضع عتبة مرتفعة لتدخل الحكومة الأميركية في إطلاق النماذج المتقدمة أو استخدامها.
وبحسب التفاصيل التي أوردها «بوليتيكو»، ينبغي أن يتعلق الأمر بخطر متوقع ووشيك قد يؤدي إلى وفاة أكثر من 50 شخصا أو إصابتهم بإصابات خطيرة. أو يتسبب في أضرار تتجاوز قيمتها مليار دولار.
ولا يكفي بلوغ هذه العتبات وحده لتبرير وقف النموذج، إذ يرتبط الخطر، وفق المسودة، بثلاثة سيناريوهات رئيسية. وتشمل إنشاء سلاح بيولوجي أو إطلاقه، أو تجاوز النموذج ضوابط المطور، أو تنفيذ هجوم إلكتروني.
وتنص المسودة، بحسب التقرير، على دور لوزارة التجارة الأميركية في إحالة طلب وقف النموذج إلى القضاء. ويعود إصدار أمر التعليق إلى قاض فدرالي مختص. بينما تقيد الصياغة المقترحة قدرة الجهات الحكومية الأخرى على وقف تطوير النماذج أو نشرها أو استخدامها داخليا.
ويعكس هذا الترتيب محاولة لتحديد الحالات التي تسمح بتدخل السلطات، بدلا من منحها صلاحيات واسعة لوقف أنظمة الذكاء الاصطناعي. لكنه يطرح في المقابل أسئلة بشأن كيفية إثبات الخطر الوشيك. والجهة التي ستحدد مدى خطورته. والوقت اللازم لاتخاذ القرار قبل وقوع الضرر.
اختبارات مستقلة وشفافية أكبر بشأن مخاطر النماذج
إلى جانب شروط التدخل الحكومي، يتضمن المقترح التزامات تتعلق بآليات تقييم النماذج المتقدمة. وتريد أنثروبيك إلزام الشركات الرائدة باختبار أقوى أنظمتها، والإفصاح للجمهور عن ملخصات النتائج، وإخضاع النماذج لتقييمات مستقلة.
وتقضي المسودة، وفق التفاصيل المنشورة، بتسجيل الجهات المكلفة بالتقييم لدى وزارة التجارة الأميركية. ويمكن للشركات دفع تكاليف هذه التقييمات، بشرط ألا ترتبط قيمة المقابل المالي بنتيجة التقييم نفسه.
كما تتضمن المسودة آلية للإبلاغ عن المخاطر المحددة. فإذا خلص المقيمون إلى وجود خطر وشيك من الفئات التي يشملها المشروع، فعليهم إبلاغ وزارة التجارة خلال 72 ساعة من إتمام التقييم.
وتستهدف هذه الإجراءات تعزيز الرقابة على الأنظمة القادرة على تنفيذ مهام معقدة، خصوصا عندما تتصل المخاطر بالأمن السيبراني أو بتطوير أسلحة بيولوجية. كما تسعى إلى توفير معلومات أكثر وضوحا بشأن قدرات النماذج وحدودها، بدلا من ترك تقييم السلامة للشركات المطورة وحدها.
ومع ذلك، يظل المقترح في مرحلة التداول مع المشرعين، ولا يمثل قانونا نافذا. لذلك، ستتوقف آثاره الفعلية على الصيغة النهائية التي قد يعتمدها الكونغرس، وعلى طبيعة الصلاحيات والالتزامات التي ستتضمنها.
خلاف بشأن سلطة الولايات والقانون الفدرالي
يفتح مشروع أنثروبيك نقاشا إضافيا بشأن العلاقة بين التشريع الفدرالي والقوانين التي تعتمدها الولايات الأميركية لتنظيم الذكاء الاصطناعي. وتشير التقارير إلى أن المقترح قد يتجاوز بعض القوانين المحلية في المجالات التي يغطيها، بما يحد من قدرة الولايات على فرض قواعد موازية في تلك المجالات.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بسبب موقف سابق للشركة من صلاحيات الولايات. ففي يونيو 2026، دعت أنثروبيك إلى عدم إلغاء القوانين المحلية قبل اعتماد تشريع فدرالي قوي يوفر ضمانات كافية للسلامة. كما شددت على ضرورة أن يقتصر تجاوز القوانين المحلية على المجالات التي يغطيها القانون الفدرالي فعليا.
ويعني ذلك أن الشركة تدعم وضع إطار وطني موحد، لكنها تربط موقفها من تجاوز قوانين الولايات بقوة الضمانات التي يوفرها التشريع الفدرالي. وسيكون نطاق هذا التجاوز من بين القضايا التي قد تثير نقاشا خلال مناقشة المقترح.
وفي غياب قانون فدرالي شامل، تظل الولايات قادرة على سن تشريعاتها ضمن حدود صلاحياتها. وقد يؤدي اختلاف القواعد بين الولايات إلى تعقيد امتثال الشركات، بينما يثير توحيدها تساؤلات بشأن مستوى الحماية الذي ينبغي أن توفره القواعد الوطنية.
تنظيم الذكاء الاصطناعي وسط خلاف سياسي في واشنطن
يأتي تحرك أنثروبيك في سياق خلاف أميركي بشأن كيفية الموازنة بين تطوير الذكاء الاصطناعي والحد من مخاطره. وتعتمد السياسة الأميركية في هذا المجال على مزيج من التعهدات الطوعية والتوجيهات التنفيذية والتشريعات المحلية، من دون إقرار قانون فدرالي شامل يغطي جميع المخاطر المرتبطة بالنماذج المتقدمة.
ويواجه الكونغرس بدوره خلافات سياسية بشأن حدود التنظيم، في وقت تضغط فيه شركات التكنولوجيا للحفاظ على بيئة تسمح بتطوير منتجاتها ونشرها. ويجعل ذلك التوافق على معايير ملزمة للسلامة وعلى صلاحيات الجهات الرقابية أمرا محوريا في النقاش الدائر.
وتواجه أنثروبيك نفسها توترا مع الإدارة الأميركية بشأن استخدام تقنياتها. وكانت إدارة الرئيس دونالد ترامب قد اتخذت في وقت سابق من العام إجراءات ضد تعامل الشركة مع وزارة الدفاع، في سياق خلافات تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات الحساسة.
وفي هذا السياق، دافع متحدث باسم الشركة عن المقترح، معتبرا أنه يمنح الحكومة الفدرالية أدوات لمنع عمليات النشر الخطيرة لأقوى النماذج. كما قال إن المشروع يلزم المطورين باختبارات السلامة والشفافية والتقييم المستقل.
لكن المبادرة لا تعني أن المشرعين وافقوا على هذه الشروط، ولا تضمن إقرارها بصيغتها الحالية. وسيظل مصيرها مرتبطا بالمفاوضات السياسية والتشريعية، وبمدى الاتفاق على صلاحيات الحكومة وحدود تدخلها.
وبذلك، تحاول أنثروبيك نقل النقاش من التعهدات الطوعية إلى قواعد قانونية أكثر تحديدا، تشمل الاختبارات والشفافية والتدخل القضائي عند المخاطر الجسيمة. غير أن التحدي الأساسي يتمثل في صياغة قانون يحد من الأخطار المحتملة، من دون أن تتحول عتبات التدخل أو تجاوز قوانين الولايات إلى مصدر خلاف جديد داخل الولايات المتحدة.