أكد الخبير الاقتصادي والوزير الأسبق، عبدالسلام الصديقي، أن سنة 2025 فرضت نفسها كمرحلة مفصلية في المسار المغربي، حيث تداخلت الطموحات الاستراتيجية مع واقع اجتماعي هش، في مشهد عكس بوضوح ازدواجية الإنجاز والإخفاق.
فقد حقق المغرب، وفق مقال رأي الصديقي، خلال هذا العام مكاسب دبلوماسية ورياضية واقتصادية لافتة، مقابل استمرار اختلالات بنيوية، خاصة على المستوى الاجتماعي، ما جعل التوازن بين الصورة الخارجية والواقع الداخلي أكثر هشاشة.
على الصعيد الدبلوماسي، يؤكد الصديقي، أن القضية الوطنية سجلت تطورا وصف بالمهم، عقب اعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797 في نهاية أكتوبر، والذي اعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي لسنة 2007 الأساس الأكثر واقعية لتسوية نزاع الصحراء.
هذا القرار، الذي دعا إلى مفاوضات على أساس السيادة المغربية، فتح، وفق قراءات سياسية، أفقا جديدا لإنهاء نزاع طال أمده، وتوجيه الجهود نحو التنمية الإقليمية وبناء مشروع مغاربي متكامل.
وفي المجال الرياضي، شدد الصديقي، أن المغرب واصل تثبيت حضوره القاري والدولي، مستفيدا من استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية والتكوين.
فقد توج المنتخب المغربي بلقب بطولة العالم لأقل من 20 سنة، كما أحرز كأس العرب في المنافسات التي احتضنتها قطر.
غير أن الحدث الأبرز، يضيف الكاتب تمثل في تنظيم كأس أمم أفريقيا 2025، الذي شكل اختبارا عمليا لقدرة المملكة على استضافة تظاهرات كبرى، ورسخ دور الرياضة كأداة للقوة الناعمة، في أفق الاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030.
اقتصاديا، عكست المؤشرات الكلية صورة إيجابية نسبيا. وأوضح الصديقي، أن المغرب أنهى سنة 2025 بمعدل نمو بلغ نحو 5 في المائة، مع تضخم دون 1 في المائة، وتراجع تدريجي لعجز الميزانية والحساب الجاري، مدفوعا بأداء قوي لقطاع السياحة وتحويلات مغاربة العالم، إلى جانب ارتفاع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة واستقرار احتياطيات العملة الصعبة. غير أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تعكس بالكامل واقع الهشاشة الاجتماعية الذي يعيشه جزء واسع من السكان.
ففي مقابل هذه المؤشرات الماكرو-اقتصادية، وفق الصديقي استمرت اختلالات هيكلية مقلقة، أبرزها ارتفاع العجز التجاري، الذي يكشف محدودية قدرة الاقتصاد الوطني على تعويض الواردات بالإنتاج المحلي، إضافة إلى ارتفاع المديونية العمومية التي تجاوزت 80 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، رغم كون جزء كبير منها مقوما بالعملة الوطنية.
لكن التحدي الأكبر، حسب قراءة عبدالسلام الصديقي، يظل اجتماعيا بامتياز. فقد شهدت سنة 2025 موجة احتجاجات اجتماعية، خاصة في المناطق القروية وبين فئات الشباب، تعبيرا عن مطالب مرتبطة بالحقوق الأساسية وتقليص الفوارق ومحاربة الفساد. وهي مؤشرات اعتبرها دليلا على فجوة متنامية بين السياسات العمومية وانتظارات المواطنين.
وفي هذا السياق، انتقد الصديقي منطق المساعدة الاجتماعية المباشرة المعتمد حاليا، معتبرا أنه يكرس الفقر بدل معالجته جذريا.
وأشار إلى أن استفادة ملايين الأسر من دعم محدود لا يمكن أن يشكل بديلا عن سياسات تشغيل حقيقية، داعيا إلى إعادة توجيه هذه الآليات نحو الفئات غير القادرة على العمل، مقابل إدماج باقي الفئات في أنشطة منتجة ذات منفعة عامة تضمن دخلا كريما وتحفظ كرامة المواطنين.
وتنتهي سنة 2025، بحسب هذا التقييم، على وقع صورة مزدوجة: بلد يعزز موقعه الإقليمي ويجذب الاستثمارات، مقابل مجتمع يعيش ضغط انتظارات اجتماعية متصاعدة. وبين الطموح الخارجي والواقع الداخلي، يواصل المغرب تقدمه دون قطيعة حادة، لكن وسط توترات واضحة، في انتظار أن تحمل سنة 2026 بداية تحول أكثر عمقا نحو نموذج تنموي أكثر عدالة وإدماجا وديمقراطية.