قراءة في مقاربة محمد العودي لمقاولات الفقر بالدارالبيضاء.. 8- لماذا ينبغي أن نقرأ هذا الكتاب اليوم؟

أسئلته السوسيولوجية

أحمد نشاطي

على امتداد سبع حلقات، حاولنا أن نرافق القارئ في رحلة داخل هذا العمل المرجعي. كنا نتنقل بين أسئلته السوسيولوجية، وأبعاده الإنسانية، ورهاناته الفكرية. أما هذه الحلقة الأخيرة، فهي ليست تلخيصا لما سبق. بل هي محاولة للإجابة عن سؤال بسيط وعميق في الآن نفسه: لماذا تزداد الحاجة إلى قراءة هذا الكتاب اليوم؟

الدارالبيضاء التي لا تظهر في الواجهات

بعد أن ينهي القارئ تتبع المسارات، التي يقودنا إليها كتاب الدكتور محمد العودي، أعتقد جازما أنه يصعب عليه أن يعاود النظر إلى الدارالبيضاء بالطريقة نفسها. إن الدارالبيضاء، التي تبدو، للوهلة الأولى، وكأنها نجحت في إعادة اختراع نفسها، وفي تحديث واجهتها، وفي تثبيت صورتها كعاصمة اقتصادية حديثة للمغرب، تبدأ فجأة في الكشف عن طبقات أخرى في ثناياها. وتلك طبقات لا تظهر في الأبراج الجديدة، ولا في المشاريع الكبرى، ولا في الصور، التي تحتفي بتحولاتها العمرانية… لكنها تظهر في ذلك الجزء الصامت من حياتها اليومية، حيث لا يزال كثير من الناس يواصلون، بصبر وإصرار، معركتهم القديمة نفسها من أجل العيش الكريم.

وهنا يبرز السؤال، الذي يلاحق القارئ، منذ الصفحات الأولى للكتاب وحتى نهايته: هل تغيّرت الدارالبيضاء فعلا اليوم، أم أن الذي تغيّر هو فقط شكل ما نراه فيها؟

لاشك أن المدينة تبدّلت كثيرا. من الصعب إنكار ذلك. البنية التحتية تطورت، الأحياء تمددت، أنماط العيش تحوّلت، ومفردات جديدة دخلت إلى لغة المجال الحضري. ثمة مدينة حديثة جارٍ بناؤها بلا توقف، وثمة إرادة واضحة لإعادة تشكيل صورتها بما يليق بموقعها الاقتصادي ومكانتها داخل المغرب.

ليس كل مدينة حديثة مدينة عادلة

لكن كتاب الدكتور محمد العودي يذكّرنا، بهدوء السوسيولوجي، الذي يعرف أن الحقيقة لا تسكن الواجهات، بأن السؤال الحقيقي يتجاوز ما تغيّر فوق سطح المدينة، إلى ما بقي ثابتا في عمقها. فهل تقلّصت المسافة بين المدينة الرسمية والمدينة التي يعيشها الناس فعلا؟ وهل أصبح الذين يحملون الاقتصاد اليومي على أكتافهم أكثر حضورا داخل سياسات الاعتراف والإنصاف؟ كما يبقى سؤال مهم: هل تحوّلت مقاومات الأمس إلى حقوق اليوم، أم أن كثيرا من أشكال الهشاشة ما تزال تجد فقط أسماء جديدة؟

هذه هي قوة هذا الكتاب: إنه لا يسمح لنا بالانبهار السريع، ولا يدفعنا في المقابل إلى التشاؤم السهل. إنه لا ينكر التحولات، لكنه يطالبنا بأن ننظر إليها بعين أكثر نقدا، وأكثر وفاء لمن لا يظهرون كثيرا في مسارات النجاح الكبرى.

ولعل ما يجعل العودة إلى هذا العمل ضرورية اليوم هو أنه يمنحنا، في زمن الحديث المكثف عن الدولة الاجتماعية وعن توسيع الحماية الاجتماعية وعن تقليص الفوارق، فرصة نادرة لاختبار معنى هذه المفاهيم في ضوء الواقع المعيش. فليس كل تقدم عمراني تقدما اجتماعيا. كما أنه ليس كل نمو اقتصادي عدالة موزعة، وليس كل مدينة حديثة مدينة عادلة.

الهوة الاجتماعية تتحول إلى خطر

الدارالبيضاء، كما يرسمها الكتاب، ليست فقط مختبرا للفقر والاقتصاد غير المهيكل. بالإضافة إلى ذلك، إنها أيضا مختبر لقدرتنا نحن على مواجهة الأسئلة، التي لا يجري طرحها دائما: ماذا نفعل بمن ظلوا طويلا يصنعون لأنفسهم مكانا في هوامش المدينة؟ هل يكفي أن ندمجهم إداريا، أم ينبغي أن نعيد التفكير في معنى الإدماج نفسه؟ وماذا عن سؤال آخر: هل يمكن أن ندّعي أننا نبني مدينة للجميع، إذا كان بعض من يبنونها كل يوم ما يزالون يشعرون أنهم يعيشون فيها على سبيل الاحتمال لا على سبيل الحق؟

ويزداد الاستعجال، كما يرى الدكتور العودي، حين ندرك أن “الهوة بين الأغنياء والفقراء تميل إلى الاتساع وليس إلى التقلص”، وأن “غالبية سكان العالم الثالث أصبحت اليوم شعبا هائلا من ساكنة الظلام، منسحبا من التاريخ، محبوسا في معاناة صامتة”. فـ”مجمعات اجتماعية-اقتصادية فقيرة” ليست مجرد “أرقام” يمكن تدبيرها بـ”برامج دعم”. بل إنها بالأحرى “حركة اجتماعية كامنة” قد تتجاوز “حدود المجالات المهنية”. هذا يعني أن الإشكال يجب أن يتجاوز بالمطلق سؤال “كيف نُسكتهم؟” إلى سؤال “كيف نُنصفهم قبل أن يتحول الصمت إلى صوت آخر؟”…

كتاب لكل من يريد أن يفهم المغرب من داخله

إن القيمة الكبرى لهذا الكتاب، إضافة إلى دقته العلمية وعمقه السوسيولوجي، تكمن في قدرته النادرة على إعادة تعليمنا كيف ننظر وندقق النظر بعمق. فهو لا يقدّم أجوبة جاهزة بقدر ما يدرّب القارئ على رؤية ما اعتاد ألا يراه. كما يدرّبه على الإصغاء إلى ما ظل طويلا مجرد ضجيج عابر في خلفية المدينة…

ولذلك، أعتقد أن قراءة كتاب الدكتور محمد العودي أبعد من أن تكون ترفا فكريا، أو شأنا يخص الباحثين وحدهم. إنها قراءة يحتاجها كل من يريد أن يفهم المغرب من داخله، كل من يريد أن يعرف ماذا تقول الشوارع، وما الذي تخفيه الأسواق، وكيف يكتب الناس، بصمتهم اليومي، جزءا كبيرا من تاريخ البلاد الاجتماعي. إضافة إلى ذلك، هي قراءة يحتاجها القارئ العادي كما المختص، يحتاجها المسؤولون الترابيون والجماعيون والإداريون، تحتاجها الحكومة والأحزاب والنقابات والجمعيات…

إنه كتاب ينبغي أن يُقرأ لأننا، من خلاله، مثلما نكتشف صورة أخرى للدارالبيضاء، فإننا نكتشف أيضا الطريقة، التي نختار بها أن ننظر إلى أنفسنا كمجتمع. فهل نرى فقط ما نريد أن نفتخر به، أم نملك الشجاعة لنرى أيضا ما يجب أن نصلحه؟

بحث عن فهم أعمق للمدينة التي ما زلنا نبنيها

ربما تغيرت الدارالبيضاء، نعم هذا صحيح. وربما تغير معها كثير من الأشياء. ولكن هذا الكتاب يذكّرنا بأن بعض الأسئلة لا تتقادم، وأن بعض الحقائق لا تختفي لمجرد أن المدينة غيرت ملامحها… ولهذا، تحديدا، تأتي جدارة قراءة الكتاب، لا لأننا نبحث فيه عن صورة مدينة مضت، وإنما لأننا نبحث، من خلاله، عن فهم أعمق للمدينة التي ما زلنا نبنيها، وللمغرب الذي نريده أن يكون أكثر عدلا وأكثر قدرة على أن يرى جميع أبنائه…

الدكتور العودي يثير، أيضا، مقارنة بالجوار، فـ”الحالة الجزائرية”، رغم حساسية المقارنة، تظل “الأكثر دلالة”، حيث “تطور العمل الهش جنبا إلى جنب مع القطاعات الوظيفية التابعة للدولة”. غير أن “النظام اعتمد على تعبئة الجماهير وتضحياتها الكبرى دون أن يحقق العدالة الاجتماعية الموعودة”. وهكذا، فإن “شبكات الفقر” في الجزائر لم تبقَ مجرد “أنشطة صغيرة”، فقد “تحولت إلى قوى تخريبية” حين اختنقت الآمال. وهذا ما يُذكّرنا بأن “الدولة الاجتماعية” ليست مجرد شعار. بل إنها سؤال عن “العدالة” الفعلية: هل تُعبّئ الجماهير وتستغني عنهم، أم تُدمجهم كشركاء حقيقيين؟

وهنا يتجاوز الدكتور العودي “الوصف” إلى “الالتزام”، مُذكّرا بأن “التحليل الاجتماعي ضروري لفهم مجالنا الجغرافي”، لكنه ليس “محايدا”: فـ”ادعاء فهم الظاهرة خارج شمولية العمليات التاريخية والراهنة للتخلف، باسم (الموضوعية) والحياد العلمي، هو أيضا حطب لإيديولوجية القوة العالمية للرأسمال”. وهكذا، فإن “القراءة”، التي يدعونا إليها الكتاب، ليست مجرد “تأمل”. بل إنها “موقف”: موقف من “التخلف”، ومن “عدم المساواة”، ومن “التبعية”، ومن “القوة التي تهيمن على الوضع المادي لوجودنا، ونظام تفكيرنا، وتحدد دورنا كأفراد وشعوب في الإنتاج والعمل”.

العودي الباحث عن العدالة في الجغرافيا الاجتماعية

وفي الختام، أعتقد أن أهم ما يميز تجربة الدكتور محمد العودي أنه لا يكتفي بوصف الواقع أو بتسجيل مظاهره. إذ يكفي أن نغوص في الكتاب حتى ندرك أنه يذهب أبعد من ذلك، باعتباره واحدا من أبرز الباحثين الاستباقيين في الجغرافيا الاجتماعية بالمغرب. فهو من الذين امتلكوا مبكرا القدرة على التقاط التحولات العميقة للمجتمع والمدينة. كما قرأ ما كان يتشكل في الهوامش قبل أن يصبح جزءا من الأسئلة الكبرى التي تشغلنا اليوم.

غير أن قيمة الدكتور محمد العودي لا تتجلى فقط في صرامة الباحث الأكاديمي. بل إنها أيضا في التزام المناضل العضوي، الذي ظل وفيا للإنسان البسيط ولأسئلة العدالة الاجتماعية، بعيدا عن ضجيج الشعارات وسهولة الخطابات الجاهزة. فالدكتور العودي لا يقدم لنا أجوبة نهائية بقدر ما يضع بين أيدينا أدوات علمية ومعرفية تساعدنا على فهم المجتمع بعمق أكبر. بالإضافة إلى ذلك، تساعدنا على إدراك التعقيد الحقيقي للدارالبيضاء وللمغرب الاجتماعي، الذي يختبئ خلف الواجهات…

وفاء لمحمد العودي وللدارالبيضاء ولمغرب عادل

ولعل ما يزيد من تقديري الشخصي للرجل أنني، كلما سنحت لي فرصة الحديث معه، ألمس حجم التواضع الذي يطبع هذا الباحث الكبير، وهو تواضع لا يقل عمقا عن عمق المعرفة التي راكمها. فحين كنت أقرأ هذا الكتاب، كثيرا ما أتخيله وهو يتحرك وسط الأسواق الشعبية وبين الباعة المتجولين، منخرطا في العمل الميداني بكل ما يتطلبه من صبر، وإنصات، واستعداد للتعامل مع ظروف معقدة، ومع ما قد يرافق بعض هذه الفضاءات من توترات واحتمالات غير متوقعة… ولذلك أجد نفسي أقدّر عاليا، من جهة، الجهد الأكاديمي، الذي يقف وراء هذا العمل. كما أقدّر من جهة أخرى، ذلك الجهد الإنساني والميداني الشاق الذي لا يظهر عادة في الصفحات، لكنه يمنحها صدقيتها وعمقها…

ولعل أجمل ما يمكن أن يُهدى لهذا العمل، بعد قراءته، هو أن نُبقي “الوفاء”، ذلك الوفاء الذي يحمله الدكتور محمد العودي في إهدائه وشكره، حيا: وفاء للناس الذين يحملون المدينة، وفاء للأسئلة التي لا تموت، وفاء لـ”الدارالبيضاء”، التي تكتب، كل يوم، فقرها في شوارعها… فالكتاب ينتهي، لكن الوفاء يبقى.

الكتب الكبيرة لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، إن لم نقل إنها تبدأ منها. وهذا، في تقديري، هو ما يميز كتاب الدكتور محمد العودي: أنه لا يطلب من قارئه أن يغلق الغلاف، وإنما أن يفتح عينيه على المدينة من جديد. وإذا كانت الدارالبيضاء قد تغيرت كثيرا منذ صدور هذا العمل، فإن الأسئلة، التي طرحها ما تزال حية، بل ربما أصبحت اليوم أكثر إلحاحا. ولذلك، فإن أفضل وفاء لهذا الكتاب ليس أن نقرأه فقط، بل أن نجعل أسئلته جزءا من تفكيرنا ومن كل أفق لبناء ونحن مغرب أكثر عدلا، وأكثر إنصافا، وأكثر قدرة على أن يرى جميع أبنائه…

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts