جددت مارين لوبان، المرشحة للرئاسة الفرنسية عن حزب التجمع الوطني، ثقتها في حليفها جوردان بارديلا. وجاء موقفها بعد نشر موقع “ميديا بارت” رسائل جديدة منسوبة إلى بارديلا، تتضمن تصريحات معادية للسامية تعود إلى عام 2013.
وقالت لوبان، السبت، في تصريح مقتضب لصحيفة “لاتريبون ديمانش”: “لدي ملء الثقة بجوردان”. ويأتي هذا الموقف بعد أيام من تصاعد الجدل حول الرسائل، التي ينفي بارديلا أن يكون قد كتبها.
وكان “ميديا بارت” قد نشر في 28 سبتمبر تحقيقا أوليا حول محادثات خاصة منسوبة إلى بارديلا خلال بدايات مساره السياسي. ثم عاد الموقع، في الأول من أكتوبر، ونشر لقطات شاشة ووثائق قال إنها تدعم روايته بشأن مصدر الرسائل وصحتها.
لوبان تتمسك بدعم حليفها
لم تغير مارين لوبان موقفها بعد نشر الدفعة الثانية من الوثائق. وبدلا من التراجع عن دعم بارديلا، أكدت ثقتها الكاملة فيه، في أول تعليق لها على القضية بعد نشر اللقطات الجديدة.
وكانت لوبان قد دافعت عن بارديلا منذ ظهور التحقيق الأول. ورفضت الاتهامات الموجهة إليه، فيما وصف حزب التجمع الوطني القضية بأنها محاولة لضرب حملتها السياسية قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة.
ويشغل بارديلا حاليا رئاسة حزب التجمع الوطني، كما يعد من أبرز حلفاء لوبان. وتطرحه الأخيرة ضمن مشروعها السياسي لشغل منصب رئيس الوزراء في حال وصولها إلى قصر الإليزيه.
وتأتي هذه التطورات في مرحلة تستعد فيها لوبان لخوض السباق الرئاسي. لذلك، اكتسبت الاتهامات الموجهة إلى بارديلا أهمية إضافية داخل الحزب، خصوصا في ظل الدور السياسي الذي يؤديه في محيطها.
ميديا بارت ينشر وثائق جديدة
نشر “ميديا بارت” الخميس لقطات شاشة لمحادثات عبر تطبيق “ماسنجر”، قال إنها تعود إلى عام 2013. ونسب الموقع إلى بارديلا آنذاك عبارات تتضمن أفكارا معادية للسامية ونظريات مؤامرة مرتبطة باليهود والبنوك وإسرائيل.
وفي تقرير لاحق، قال الموقع إنه تمكن من التحقق من صحة الوثائق التي استند إليها التحقيق. وأوضح أن عملية التحقق شملت بيانات قدمتها شركة “ميتا”، إلى جانب توثيق قانوني وشهادات من أشخاص عرفوا بارديلا خلال بدايات مساره السياسي.
كما أشار الموقع إلى تفاصيل شخصية وردت في المحادثات، وقال إنها تتطابق مع معلومات معروفة عن بارديلا. وذكر، من بين هذه العناصر، معلومات تتعلق بوالدته ومساره الدراسي ومقابلة أجراها مع صحيفة “لو باريزيان” عام 2013.
ويؤكد “ميديا بارت” أن هذه المعطيات دعمت استنتاجه بشأن هوية صاحب الحساب. في المقابل، يرفض بارديلا هذه الرواية بشكل كامل، ويؤكد أن الرسائل لا تعود إليه.
بارديلا ينفي ويلاحق ميديا بارت قضائيا
نفى جوردان بارديلا أن يكون صاحب الرسائل التي نشرها الموقع الفرنسي. ووصف ما نشره “ميديا بارت” بأنه وثائق مزورة، مؤكدا أنه سيتخذ إجراءات قانونية ضد الموقع.
وأكد بارديلا أنه تقدم بدعوى تشهير، كما تحدث عن اتهامات تتعلق بالتزوير واستخدام وثائق مزورة. واعتبر أن التحقيق يستهدفه في سياق الحملة السياسية المرتبطة بالانتخابات الرئاسية المقبلة.
وبذلك، أصبحت القضية قائمة على روايتين متعارضتين. فمن جهة، يتمسك “ميديا بارت” بتحقيقه ويقول إنه تحقق من الوثائق، ومن جهة أخرى، ينفي بارديلا تأليف الرسائل ويطعن في صحتها.
ويمنح المسار القضائي المنتظر أهمية خاصة لهذا الخلاف. فالتحقيق الصحفي لا يشكل في حد ذاته حكما قضائيا على صحة الاتهامات، بينما يبقى بارديلا متمسكا بنفيه لها.
جدل يعيد ملف معاداة السامية إلى الواجهة
أعادت القضية أيضا النقاش حول علاقة حزب التجمع الوطني بإرثه السياسي السابق. فقد عملت مارين لوبان خلال السنوات الماضية على تغيير صورة الحزب وإبعاده عن التصريحات والمواقف المرتبطة بماضي مؤسسه جان ماري لوبان.
وكان جان ماري لوبان قد ارتبط خلال مسيرته السياسية بتصريحات معادية للسامية، ما جعل تجاوز هذا الإرث أحد الملفات الأساسية في إعادة تقديم الحزب للرأي العام الفرنسي.
وفي هذا السياق، يكتسب الجدل حول بارديلا بعدا سياسيا داخل الحزب. فبارديلا يمثل جيلا أحدث في قيادة التجمع الوطني، وارتبط صعوده بمحاولة الحزب تقديم صورة مختلفة عن ماضيه السياسي.
وقد أثارت الاتهامات الأخيرة ردود فعل سياسية متباينة في فرنسا. ووصف الرئيس إيمانويل ماكرون، بحسب تقارير إعلامية، التصريحات المنسوبة إلى بارديلا بأنها خطيرة وغير مقبولة، داعيا حزب التجمع الوطني إلى توضيح موقفه منها.
قضية بارديلا تدخل مرحلة جديدة
لم يعد الجدل مقتصرا على نشر الادعاءات الأولى، بعدما قدم “ميديا بارت” وثائق إضافية قال إنها تثبت روايته. وفي المقابل، انتقل بارديلا إلى المسار القضائي، متهما الموقع بالتشهير والتزوير.
أما مارين لوبان، فأكدت استمرار دعمها لحليفها السياسي. ويعني ذلك أن القيادة السياسية للتجمع الوطني اختارت، في الوقت الراهن، التعامل مع القضية عبر التمسك بنفي بارديلا والرد على ما تعتبره حملة تستهدف الحزب.
وتبقى صحة الرسائل ونسبتها إلى بارديلا محل نزاع بين الطرفين، رغم إعلان “ميديا بارت” أنه تحقق منها عبر مصادر ووسائل متعددة. وفي انتظار تطورات المسار القضائي، يستمر الجدل حول مضمون الوثائق وتداعياتها على المشهد السياسي الفرنسي.
ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه التجمع الوطني التحضير للاستحقاق الرئاسي الفرنسي المقبل. لذلك، ستظل قضية الرسائل المنسوبة إلى بارديلا مرتبطة أيضا بصورة الحزب ومسار إعادة تقديمه للرأي العام، إلى جانب الجدل القانوني والإعلامي حول صحة الوثائق.