أثار نقاش مهني جديد حول حقوق الصحافيين في المغرب وضعية العاملين بجريدة حزب الحركة الشعبية، الذي يرأسه محمد أوزين، يومية “الحركة”، بعد تداول معطيات تتحدث عن مستحقات عالقة، وعدم تفعيل عدد من المقتضيات الاجتماعية لفائدة صحافيين وتقنيين اشتغلوا لسنوات داخل المؤسسة.
وتأتي هذه المعطيات في سياق نقاش أوسع حول واقع الصحافة الوطنية، وحدود التقارير الدولية في عكس الوضع الاجتماعي الحقيقي للعاملين في القطاع. كما تعيد طرح سؤال حماية الأجراء داخل المقاولات الإعلامية، خاصة تلك التي تستفيد من الدعم العمومي، ومن جريدة أوزين الذي ينتقد مؤسسات إعلامية رواتب صحافييها تضاعف روابت صحافيي جريدته أربع مرات.
ويؤكد المتضررون أن الأمر لا يتعلق بضائقة مالية عابرة فقط. بل يعتبرونه وضعا يمس كرامة نساء ورجال الصحافة والتقنيين، ويؤثر على حياتهم المهنية والاجتماعية، وعلى مستقبلهم بعد التقاعد.
حقوق الصحافيين بين النصوص والواقع
تضع وضعية أجراء جريدة “الحركة” ملف حقوق الصحافيين في قلب النقاش المهني. ويطالب العاملون بتسوية مستحقات عالقة منذ مدة طويلة، يقولون إنها تصل إلى حوالي 30 شهرا.
ويشدد أصحاب هذه المطالب على أن هذه المستحقات ليست منة من الإدارة. بل يعتبرونها حقوقا تكفلها الاتفاقية الجماعية، وقانون الشغل، والمقتضيات المالية ذات الصلة بالتخفيض الضريبي.
كما يشتكي العاملون من عدم تفعيل الحد الأدنى للأجر المنصوص عليه في الاتفاقية الجماعية. ويتحدثون عن رفض اعتماد مبلغ 5800 درهم كحد أدنى. كما يشيرون إلى تجميد تعويضات الأقدمية، رغم التنصيص عليها ضمن الاتفاقيات المهنية.
وتكشف هذه المطالب أن المشكل يتجاوز تأخر الأجور أو التعويضات. فهو يرتبط، في جوهره، بمدى احترام المقاولة الإعلامية لالتزاماتها الاجتماعية تجاه العاملين لديها.
الجائحة ومطالب بتسوية الأوضاع
من بين النقاط التي يثيرها المتضررون طريقة تدبير فترة الجائحة. فحسب روايتهم، واصل عدد من الصحافيين والتقنيين العمل بشكل عادي، بينما استفادوا فقط من تعويضات صندوق الضمان الاجتماعي، المحدد في 2000 درهم.
ويعتبر أصحاب الشكاوى أن الإدارة احتفظت بالأجور التي كان يفترض صرفها خلال تلك المرحلة. كما يشيرون إلى وجود شكايات ومحاضر لدى مفتشية الشغل حول هذا الموضوع.
كما يشتكي العاملون من عدم تصحيح وضعية المصرح بهم في إطار الحد الأدنى للأجور. ويتحدثون عن حرمانهم من الزيادة الأخيرة في الحد الأدنى للأجور، التي بدأ تطبيقها منذ يناير 2026.
الاتفاق الاجتماعي في قلب الخلاف
يشير أصحاب المطالب، أيضا، إلى عدم تطبيق الاتفاق الاجتماعي الخاص بالزيادة في أجور الصحافيين. ويتحدثون عن زيادة محددة في 2000 درهم على سنتين، على أن تحتسب الألف درهم الأولى ابتداء من فبراير 2023.
ويعتبر العاملون أن عدم تنزيل هذه المقتضيات يكرس هشاشة داخل مؤسسة إعلامية، لحزب سياسي “معارض”، يفترض أن تكون ملتزمة بالقوانين والاتفاقيات. كما يرون أن المسألة تزداد حساسية عندما يتعلق الأمر بمقاولة تستفيد من الدعم العمومي.
ويطرح هذا النقاش سؤال ربط الدعم العمومي باحترام حقوق الأجراء. فالمقاولة الإعلامية لا تقدم خدمة إخبارية فقط. بل تتحمل أيضا مسؤولية اجتماعية تجاه الصحافيين والتقنيين والإداريين العاملين فيها.
كما أن قوة المؤسسة الإعلامية لا تقاس بخطها التحريري وحده. بل تقاس أيضا بقدرتها على ضمان شروط عمل لائقة، وأجور محترمة، وحماية اجتماعية واضحة.
مسارات الوساطة لم تحسم الأزمة
بحسب المعطيات المتداولة، سلك العاملون في جريدة “الحركة” عدة مسارات مؤسساتية. وشملت هذه المسارات جلسات لدى مفتشية الشغل بالرباط، ووساطة المجلس الوطني للصحافة.
غير أن أصحاب الشكاوى يقولون إن هذه الجهود لم تفض إلى تنفيذ فعلي للمخرجات. كما يؤكدون وجود محاضر وبلاغات توثق هذه الاجتماعات والمطالب.
ويعكس هذا الوضع حدود الوساطات حين لا تتحول إلى التزامات عملية. فالحوار المهني لا يكتمل بمجرد الجلوس إلى الطاولة. بل يحتاج إلى تنفيذ واضح، وآجال مضبوطة، وآليات تتبع.
كما يكشف الملف حاجة القطاع إلى حماية أقوى للأجراء. فالصحافي الذي يطالب بحقوقه لا يجب أن يبقى معلقا بين الإدارة والوساطات والمحاضر، دون حل عملي يحفظ كرامته واستقراره.
الدعم العمومي وسؤال المسؤولية
تزداد حساسية الملف، بحسب المتضررين، بسبب استفادة المؤسسة من الدعم العمومي. وهذا المعطى يفتح نقاشا أوسع حول شروط الاستفادة من المال العام داخل قطاع الصحافة.
فالدعم العمومي يهدف إلى تقوية الصحافة الوطنية، وضمان تعدديتها، وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها. غير أن هذا الدعم يفترض أن يواكبه احترام فعلي لحقوق العاملين.
ولا يمكن الحديث عن صحافة قوية في ظل هشاشة الصحافيين. كما لا يمكن الدفاع عن حرية التعبير دون الدفاع عن كرامة الذين ينتجون الخبر والمادة الإعلامية يوميا.
ويطرح هذا الملف أيضا مسؤولية التنظيمات المهنية، والهيئات المعنية، والفاعلين السياسيين الذين يرفعون شعارات الدفاع عن الصحافة. فالمعيار الحقيقي يبقى احترام الحقوق داخل المؤسسات التي يشرفون عليها أو يرتبطون بها.
حاجة إلى جواب مؤسساتي واضح
تحتاج هذه القضية إلى جواب مؤسساتي واضح من جميع الأطراف المعنية. ويشمل ذلك إدارة جريدة “الحركة”، والهيئات المهنية، والجهات المكلفة بتتبع الدعم العمومي، ومفتشية الشغل.
كما يحتاج العاملون إلى مسار عملي لتسوية وضعيتهم. فالأمر لا يرتبط فقط بمبالغ مالية عالقة. بل يرتبط أيضا بمسار مهني، وبحقوق اجتماعية، وبمآلات التقاعد والحماية المستقبلية.
لكن الثابت أن الملف يعيد سؤالا مركزيا إلى الواجهة. كيف يمكن بناء إعلام وطني مهني وقوي، إذا ظل جزء من الصحافيين والتقنيين يعيشون هشاشة مزمنة داخل مؤسسات إعلامية قائمة؟
إن حماية حقوق الصحافيين ليست مطلبا فئويا ضيقا. بل هي شرط من شروط جودة الإعلام، واستقلاليته، ومصداقيته. وأي إصلاح للقطاع سيظل ناقصا إذا لم يبدأ من احترام كرامة العاملين فيه.