تراجع زيارات المواقع الإخبارية بـ40%.. الذكاء الاصطناعي يربك حسابات الناشرين

تراجعت الزيارات القادمة من غوغل إلى مئات الناشرين بنسبة 40% خلال عام واحد، ما يدفع المؤسسات الإعلامية إلى إعادة التفكير في تحسين البحث وبناء علاقة مباشرة مع الجمهور.
تراجع زيارات المواقع الإخبارية بـ40%.. الذكاء الاصطناعي يربك حسابات الناشرين

تواجه المواقع الإخبارية تحولا متسارعا في علاقتها بمحركات البحث. وذلك بعدما بدأت الإجابات المولدة بالذكاء الاصطناعي تقلص حاجة المستخدمين إلى زيارة المصادر الأصلية.

وفي هذا السياق، سجلت الزيارات القادمة من محرك غوغل إلى مئات الناشرين تراجعا بنسبة 40% بين يوليوز 2025 ويوليوز 2026.

وتكشف هذه الأرقام، الواردة في تقرير لمعهد رويترز لدراسة الصحافة، حجم التحدي الذي يواجه المؤسسات الإعلامية. فلم تعد المنافسة مقتصرة على تحسين ترتيب المقالات في نتائج البحث. بل امتدت إلى ضمان ظهور أسماء الناشرين ومحتوياتهم داخل إجابات أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ويحذر خبراء استشهد بهم التقرير من أن الاعتماد المفرط على الزيارات القادمة من المنصات الرقمية قد يضع المؤسسات أمام مخاطر متزايدة. لذلك، يدعون إلى الاستثمار في سمعة العلامة الإعلامية، وتطوير العلاقة المباشرة مع القراء، بدلا من الاكتفاء بمطاردة الخوارزميات.

تراجع زيارات غوغل يسرّع التحول في الإعلام الرقمي

نشر معهد رويترز تقريره الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، بقلم الصحفية غريتل كان، مستندا إلى مقابلات مع خمسة خبراء من مؤسسات إعلامية دولية. وشملت المقابلات متخصصين من موقع «أكسيوس» الأمريكي، وصحيفة «الغارديان» البريطانية، وموقع «ذا أثليتيك» الرياضي.

واستند التقرير إلى بيانات شركة «تشارتبيت» المتخصصة في تحليل الجمهور، التي رصدت انخفاضا بنسبة 40% في الزيارات المحالة من غوغل إلى مئات الناشرين خلال عام واحد. ويعادل هذا التراجع نحو ضعف الانخفاض المسجل خلال الفترة السنوية السابقة.

ويثير هذا التطور مخاوف متزايدة داخل غرف الأخبار، خصوصا لدى المؤسسات التي تعتمد على محركات البحث لاستقطاب القراء وتحقيق عائدات الإعلانات. ويختصر مصطلح «غوغل صفر» هذا القلق، إذ يشير إلى احتمال تحول غوغل من بوابة توجه المستخدمين إلى المواقع إلى منصة تقدم لهم الإجابات مباشرة.

وخلال العقدين الماضيين، استثمر الناشرون في تحسين محركات البحث، المعروف اختصارا بـ«سيو» (SEO). وأنشأت مؤسسات إعلامية فرقا متخصصة، وطورت أساليب تحرير العناوين، بهدف تحسين ظهور المقالات في نتائج البحث.

لكن أدوات الذكاء الاصطناعي بدأت تغير هذا النموذج. فبدلا من تصفح الروابط واختيار أحدها، يستطيع المستخدم قراءة ملخص يجمع المعلومات من مصادر مختلفة دون مغادرة صفحة البحث.

تحسين الظهور في الذكاء الاصطناعي.. قواعد غير واضحة

تختلف محركات البحث التقليدية عن منصات الذكاء الاصطناعي في طريقة عرض المعلومات. فالأولى تقدم للمستخدم قائمة من الروابط، بينما تجمع الثانية معطيات من مصادر متعددة وتصوغ إجابة واحدة تستشهد بعدد محدود منها.

ويجعل هذا الاختلاف مهمة الناشرين أكثر تعقيدا، لأنهم لا يحصلون دائما على بيانات كافية لفهم أسباب اختيار أنظمة الذكاء الاصطناعي لمصادر معينة دون غيرها. كما أن تغير المصادر التي تعتمد عليها هذه الأنظمة يصعّب وضع استراتيجية ثابتة لضمان الظهور.

ويقول إزرا إيمان، مدير الذكاء الاصطناعي في الإعلام لدى الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار، إن الأدلة الإرشادية المتداولة بشأن تحسين الظهور تتضمن توصيات متناقضة. ويشير إلى أن المصادر المفضلة لدى الأنظمة تتغير، بينما تتركز الاستشهادات غالبا في عدد محدود من المواقع الكبرى.

في المقابل، ترى كلارا سوتيراس، مستشارة الجمهور، أن تحسين الظهور في محركات التوليد، المعروف باسم «جيو» (GEO)، لا يمثل لغزا مغلقا بالكامل. وتدعو إلى التجربة ومراقبة عدد مرات ذكر العلامة الإعلامية، مع تطوير مؤشرات قياس تتجاوز النقرات التقليدية.

وتبرز هذه المقاربة تحولا في طريقة تقييم أداء المحتوى. فقد يظهر اسم المؤسسة داخل إجابة مولدة بالذكاء الاصطناعي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المستخدم سيزور موقعها أو يقرأ المقال الأصلي.

الظهور لا يضمن النقرات.. والسمعة تصبح رصيدا

توضح بيانات أوردها التقرير حجم الفجوة بين الظهور والوصول الفعلي إلى المصادر. فقد وجدت دراسة لمركز «بيو» للأبحاث، شملت أكثر من 68 ألف عملية بحث أجراها 900 مستخدم أمريكي، أن 1% فقط من عمليات البحث انتهى بنقرة على مصدر ورد في ملخص غوغل.

وتضع هذه النتيجة الناشرين أمام معادلة صعبة. فظهور المحتوى في إجابات الذكاء الاصطناعي قد يعزز حضور المؤسسة لدى الجمهور، لكنه لا يوفر بالضرورة الزيارات التي تحتاجها المواقع الإخبارية.

ويرى إزرا إيمان أن تكرار الاستشهاد بمؤسسة إعلامية يمكن أن يعزز شهرتها ويدعم قدرتها على التفاوض مع شركات الذكاء الاصطناعي. ويعتبر أن الناشر الذي يظهر باستمرار في الإجابات يمتلك ورقة أقوى للمطالبة بمقابل أو بشروط أفضل لاستخدام محتواه.

مع ذلك، لا تتوزع فرص الظهور بالتساوي بين المؤسسات. فالمواقع الكبرى، مثل «رويترز» و«بي بي سي» و«نيويورك تايمز» و«الغارديان»، تحظى بحضور بارز في الاستشهادات.

أما الناشرون الأصغر، فيمكنهم المنافسة عبر المعلومات المحلية والمتخصصة، خصوصا عندما يقدمون معطيات أصلية يصعب العثور عليها في مصادر أخرى.

وتؤكد شيلبي بلاكلي، مديرة البحث والذكاء الاصطناعي في «ذا أثليتيك»، أن غياب المؤسسة عن الإجابات المتعلقة بمجالها الرياضي يمثل فرصة ضائعة. كما ترى أن ظهور العلامة الإعلامية قد يترك أثرا لدى المستخدم، ويدفعه إلى العودة إليها لاحقا.

حجب برامج الزحف يضع الناشرين أمام معادلة صعبة

لا يقتصر التحدي على كيفية الظهور داخل الإجابات، بل يشمل أيضا قرار السماح لشركات التكنولوجيا باستخدام المحتوى الصحفي. وتعتمد هذه الشركات على برامج زحف آلية لتصفح صفحات الإنترنت وجمع المعلومات، سواء لفهرستها أو لاستخدامها ضمن أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ووفق الأبحاث التي يستشهد بها التقرير، كانت 48% من كبرى المواقع الإخبارية في عشرة بلدان تحجب برامج «أوبن إيه آي» بنهاية 2023. وجاء ذلك رفضا لاستخدام المحتوى الصحفي دون مقابل، وخشية أن تحل الإجابات المباشرة محل زيارة المواقع الأصلية.

لكن الحجب يطرح مفاضلة معقدة. فقد يحد من استخدام المحتوى، لكنه قد يقلل أيضا فرص ظهور المؤسسة داخل إجابات الذكاء الاصطناعي.

ويقترح إزرا إيمان اعتماد سياسة انتقائية تميز بين المحتوى المدفوع والمحتوى المجاني. ويمكن للناشر، وفق هذه المقاربة، حماية المواد التي يبيعها للمشتركين، مع إتاحة مواد أخرى تساعد على التعريف بعلامته الإعلامية.

من جهتها، تنبه جيسي ويلمز، محررة تحسين محركات البحث في «الغارديان»، إلى ضرورة التعامل مع تحسين الظهور في الذكاء الاصطناعي باعتباره امتدادا للاستراتيجيات الحالية، لا بديلا عن أساسيات تحسين البحث.

وتشير هذه المواقف إلى أن قرارات الحجب أو الإتاحة لا تصلح لجميع المؤسسات بالطريقة نفسها. فاختيار السياسة المناسبة يرتبط بنوعية المحتوى، ومصادر الإيرادات، وأهداف المؤسسة من حضورها في المنصات الرقمية.

العلاقة المباشرة مع القارئ تتقدم على مطاردة الخوارزميات

يحذر خبراء التقرير من تكرار تجربة سابقة عاشها الناشرون مع المنصات الرقمية. فقد اعتمدت مؤسسات إعلامية على محركات البحث، ثم راهنت على شبكات اجتماعية مثل فيسبوك ويوتيوب، قبل أن توسع حضورها على تيك توك وإنستغرام.

ومع تغير خوارزميات هذه المنصات، اضطرت المؤسسات إلى مراجعة استراتيجيات التوزيع والوصول إلى الجمهور. ويرى الخبراء أن الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي وحدها قد يعيد إنتاج المشكلة نفسها.

ويؤكد بن بيركويتز، المشرف على عمليات الذكاء الاصطناعي في غرفة أخبار «أكسيوس»، أن الفقرات القصيرة والمركزة تساعد على تقديم المعلومات بوضوح. لكنه يشدد على أن الخبرة الصحفية والسمعة والعلاقة المباشرة مع القراء تظل عناصر يصعب تقليدها.

ولهذا، تستثمر المؤسسات في النشرات البريدية والفعاليات وقنوات التواصل المباشر، بهدف بناء جمهور يعود إلى محتواها دون الحاجة إلى وسيط رقمي. كما تختبر بعض المؤسسات الأسئلة التي قد يطرحها المستخدمون، وتراقب مدى ظهورها في إجابات الذكاء الاصطناعي.

وتخلص سوتيراس إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إرضاء الخوارزميات، بل في بناء ولاء مستدام لدى الجمهور. فكل مؤسسة تحتاج إلى تحديد المنصات التي تناسبها، مع الحفاظ على علاقتها المباشرة بالقراء.

وبذلك، لا يعني التحول الحالي نهاية تحسين محركات البحث، بقدر ما يكشف حدود الاعتماد عليه وحده. فالمؤسسات التي تجمع بين المحتوى الأصلي، والتخصص، والسمعة المهنية، وقنوات الوصول المباشر، ستكون أقدر على مواجهة تغيرات المشهد الرقمي.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts