بدأت إذاعة مارس، اليوم الاثنين 30 مارس 2026، بث بيان العقوبة الصادر عن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، بعد قرار المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري توجيه إنذار إلى الإذاعة وتوقيف برنامج “الحقيقة في 90 دقيقة” لمدة أسبوع كامل.
القرار جاء على خلفية ما اعتبرته الهيئة عبارة قدحية ومسيئة استعملها منشط برنامج “أسد إفريقيا” في حق أحد لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم، أثناء التعليق على نهائي كأس إفريقيا للأمم.
القرار لم يقف عند حدود الإنذار. الهاكا ألزمت الإذاعة أيضا بتلاوة بيان العقوبة على أمواجها خلال التوقيت المعتاد للبرنامج الموقوف.
بهذا الاختيار، وجهت الهيئة رسالة واضحة إلى المتعهد: المسؤولية التحريرية لا تتجزأ، ولا تسقط حتى لو توقف البرنامج الذي صدر فيه التجاوز.
الهاكا وراديو مارس.. عقوبة مزدوجة
بحسب مضمون البيان الذي شرعت الإذاعة في بثه، اعتبر المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري أن العبارة التي استهدفت لاعب المنتخب الوطني تجاوزت حدود النقد الرياضي المقبول.
المجلس رأى أن ما قيل لا يدخل في إطار التحليل المشروع، بل يمس بكرامة الشخص المعني، ويخرق واجب الرصانة الذي يفترض أن يحكم الخطاب الإعلامي، خاصة في البرامج الرياضية ذات المتابعة الواسعة.
من هنا جاء القرار مزدوجا. الهاكا وجهت إنذارا إلى راديو مارس، ثم قررت توقيف “الحقيقة في 90 دقيقة” لمدة أسبوع، مع بث بيان العقوبة على الأثير.
هذا التفصيل مهم، لأن البرنامج المعني مباشرة، وهو “أسد إفريقيا”، لم يعد ضمن البرمجة الحالية، ما دفع الهيئة إلى تنزيل العقوبة على برنامج آخر داخل الخدمة نفسها، في تأكيد واضح لفكرة المسؤولية التحريرية الشاملة.
لماذا شددت الهاكا على خطورة العبارة؟
الهيئة ربطت القرار بطبيعة الإعلام الرياضي نفسه. فالبرامج الرياضية لا تخاطب جمهورا محدودا، بل تصل إلى شريحة واسعة وتؤثر في النقاش العمومي وفي مزاج الشارع الرياضي.
لهذا شدد المجلس، في البيان الذي تبثه الإذاعة، على أن الإعلام الرياضي مطالب بالمساهمة في ترسيخ خطاب مهني ومسؤول، ينسجم مع قيم الروح الرياضية والتقارب والتسامح.
الهاكا ذهبت أبعد من ذلك. فقد نبهت إلى أن العنف اللفظي داخل السرد الإعلامي للأحداث الرياضية لا يبقى مجرد كلام عابر.
هذا النوع من الخطاب قد يطبع المجتمع مع الإهانة والعنف الرمزي، وقد يدفع أيضا إلى جعل الفضاء الرياضي أقل أمنا، سواء بالنسبة إلى الجمهور أو إلى اللاعبين أو إلى باقي الفاعلين داخل الحقل الرياضي.
هذا التوصيف يفسر لماذا تعامل المجلس مع الملف بمنطق زجري، لا بمنطق الملاحظة الأخلاقية فقط. فالقرار هنا لا يدافع عن لاعب بعينه فقط، بل يدافع أيضا عن سقف الخطاب المقبول داخل الإعلام الرياضي.
المسؤولية التحريرية في صلب القرار
واحدة من أقوى الرسائل في هذا الملف تتعلق بمفهوم المسؤولية التحريرية. الهاكا قالت بوضوح إن المتعهد مسؤول عن مجموع برامجه، وليس فقط عن الحلقة أو المنشط الذي صدر عنه التجاوز.
هذا المعنى يفسر اختيار توقيف “الحقيقة في 90 دقيقة”. رغم أن العبارة موضوع المؤاخذة وردت في برنامج “أسد إفريقيا”.
كما سجل المجلس أن المخالفة الحالية لا تأتي من فراغ. البيان يتحدث عن طابع متكرر للمؤاخذات، وهو ما جعل الهيئة تميل إلى تشديد الرد.
هذا المعطى ينسجم مع سوابق منشورة على موقع الهاكا. إذ سبق للمجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري أن اتخذ قرارات في حق راديو مارس بسبب مضامين اعتبرها مهينة أو مشوبة بعنف لفظي. من بينها القرار رقم 23-44 المتعلق ببرنامجي “الحقيقة في 90 دقيقة” و“مارس أطاك”.
كما تظهر القرارات المنشورة لسنة 2026 أن راديو مارس ظل حاضرا ضمن ملفات المراقبة الزجرية للهيئة.
برنامج معروف وعقوبة علنية
البرنامج الذي اختار المجلس توقيفه ليس برنامجا هامشيا داخل الشبكة. “الحقيقة في 90 دقيقة” حاضر ضمن برمجة راديو مارس الرسمية. كما يظهر أيضا في البثوث الحديثة على القناة الرسمية للإذاعة، ما يمنح العقوبة بعدا رمزيا واضحا. لأنها مست خدمة معروفة لدى الجمهور الرياضي.
واللافت أن الهاكا لم تكتف هذه المرة بالجزاء الداخلي بين الهيئة والمتعهد. إلزام الإذاعة ببث بيان العقوبة على أمواجها يضع القرار مباشرة أمام المستمعين. ويحوله من إجراء إداري إلى رسالة عمومية بشأن حدود الخطاب المسموح به داخل الإعلام الرياضي.
ما الذي تكشفه هذه القضية؟
تكشف هذه القضية أن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري ترفع منسوب اليقظة تجاه المضامين الرياضية. لا سيما عندما تمس كرامة الأفراد أو تنزلق نحو خطاب تحقيري.
كما تكشف أن الهاكا تتعامل مع الإذاعات الرياضية بمنطق المهام الاجتماعية نفسها التي تفرضها على باقي الخدمات السمعية البصرية. بصرف النظر عن شعبية البرامج أو طبيعة جمهورها.
في المقابل، يضع القرار راديو مارس أمام اختبار مهني واضح. الإذاعة مطالبة اليوم بتقوية آليات الضبط الداخلي، ورفع مستوى الانتباه داخل البث المباشر، حتى لا تتكرر المؤاخذات نفسها.
فالهاكا قالتها بوضوح: حرية التعبير داخل الإعلام الرياضي. لا تعني السقوط في الإهانة أو التطبيع مع العنف اللفظي.