تقرير المجلس الأعلى للحسابات يثير تباين الأغلبية والمعارضة بمجلس النواب

توصيات المجلس الأعلى للحسابات تقرير المجلس الأعلى للحسابات

أثار تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025 تباينا واضحا في مواقف الأغلبية والمعارضة بمجلس النواب، خلال جلسة عمومية عقدت الثلاثاء لمناقشة عرض الرئيسة الأولى للمجلس، زينب العدوي.

وأشادت فرق الأغلبية بما اعتبرته تأكيدا على نجاعة عدد من الإصلاحات الحكومية، خاصة في الحماية الاجتماعية والاستثمار والماء. في المقابل، ركزت فرق المعارضة على ملاحظات التقرير بشأن اختلالات الحكامة، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية.

واعتبرت الأغلبية أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات يؤكد سلامة التوجهات الحكومية. بينما رأت المعارضة أنه يكشف استمرار ضعف الأثر الفعلي للسياسات العمومية على معيش المواطنين.

تقرير المجلس الأعلى للحسابات يقسم المواقف

اعتبر فريق التجمع الوطني للأحرار أن ملاحظات المجلس حول الحماية الاجتماعية تؤكد حرص الحكومة على تحقيق أهداف هذا الورش الملكي، كما توخاها صاحب الجلالة الملك محمد السادس.

وأشار الفريق إلى أن التقرير أشاد، ضمنيا، بالتدبير الحكومي في نقل ملايين المغاربة إلى نظام التغطية الصحية الإجبارية في زمن قياسي. كما توقف عند إرساء نظام السجل الاجتماعي الموحد.

وسجل الفريق، في المقابل، أن التحدي اليوم يتمثل في جعل التقرير قوة دفع إضافية للحكومة، من أجل تسريع الرقمنة وإصلاح المنظومة الصحية الوطنية.

ويظهر هذا الموقف أن الأغلبية قرأت التقرير من زاوية الإصلاحات الكبرى الجارية. كما اعتبرته أداة لمواصلة تحسين تنزيل الأوراش، لا مجرد وثيقة نقدية.

الأصالة والمعاصرة يدعو إلى رقابة إصلاحية

أكد فريق الأصالة والمعاصرة أن التقرير يشكل مرآة موضوعية لواقع تدبير الشأن العام. كما اعتبره أداة لرصد أوجه النقص والاختلال في تدبير المال العمومي وتنفيذ السياسات العمومية.

ونبه الفريق إلى استمرار التفاوتات المجالية في البنيات التحتية، والولوج إلى الخدمات الأساسية، وفرص الشغل. ودعا إلى تعزيز الاستثمار العمومي بالمناطق الهشة، وتقوية الجهوية المتقدمة.

كما شدد على أهمية تحويل خلاصات الرقابة المالية إلى رقابة إصلاحية ملموسة. ورأى أن ذلك يمكن أن يعزز الأداء العمومي، ويقوي الثقة في المؤسسات.

وتوقف الفريق أيضا عند دعوة التقرير إلى تسريع تنفيذ المشاريع الاستثمارية، عبر التنزيل الأمثل لميثاق الاستثمار، وتقليص آجال المساطر، وتجاوز تعقيد التراخيص.

الماء والاستثمار ضمن أولويات الأغلبية

سجل الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية أن المسألة المائية تكتسي بعدا استراتيجيا في السياسات العمومية. وأشاد بتفاعل الحكومة مع التوجيهات الملكية السامية في هذا المجال.

وأبرز الفريق الرفع من الاعتمادات المالية المخصصة للقطاع. كما توقف عند تسريع إنجاز السدود، والربط بين الأحواض المائية، وتعبئة الموارد، وتحلية مياه البحر.

غير أنه أشار أيضا إلى تحديات قائمة. وتهم هذه التحديات تأهيل شبكات توزيع المياه، وتطوير محطات المعالجة، وتجاوز صعوبات إعادة استعمال المياه المستعملة.

كما استحضر الفريق تحديات الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية 2017-2025. ودعا إلى تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين المعنيين بالسلامة الطرقية.

من جهته، شدد الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي على أهمية توصيات المحاكم المالية. واعتبرها أدوات عملية لتحسين الأداء التنفيذي، والرفع من مردودية المرافق العمومية.

المعارضة تنتقد أثر السياسات العمومية

في المقابل، قدمت فرق المعارضة قراءة أكثر انتقادا لمضامين التقرير. فقد اعتبر الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية أن التقرير كشف وجود 11 مليون مغربي خارج منظومة التغطية الصحية.

وتساءل الفريق عن معنى الحماية الاجتماعية، إذا كانت الحكومة غير قادرة على تصويب اختلالات استخلاص الاشتراكات. واعتبر أن توقف أداء الاشتراك يؤدي إلى توقف الحق في الاستفادة من التغطية الصحية.

كما سجل الفريق أن التقرير أثار إشكال غياب العدالة المجالية. واعتبر أن المشكل لا يرتبط فقط بضعف الموارد المالية، بل بسوء الحكامة وآليات الاستهداف وطريقة توزيع الآليات.

وحمل الفريق الحكومة مسؤولية معالجة هذه الاختلالات، باعتبارها مسؤولة عن تنفيذ السياسات العمومية وتوجيه أثرها الاجتماعي.

الحركي: الأرقام لا تكفي

ثمن الفريق الحركي التحسن الذي سجله التقرير في بعض المؤشرات الماكرو اقتصادية. لكنه طرح سؤالا مركزيا حول مدى انعكاس هذا التحسن على معيش المواطن، والعدالة الاجتماعية، وتقليص الفوارق الترابية.

واعتبر الفريق أن الأرقام التي تقدمها الحكومة كإنجازات يجب أن تنعكس على جميع المواطنين. كما يجب أن تمنحهم شعورا بالأمل والثقة.

وسجل أن ارتفاع المداخيل الجبائية وتطور بعض المؤشرات المالية لا يمكن أن يحجب استمرار الإحساس العام بضغط المعيشة.

كما أشار إلى محدودية الأثر الاجتماعي للسياسات العمومية، وإلى تحديات بنيوية تواصل الضغط على المالية العمومية واستدامة التوازنات الكبرى.

التقدم والاشتراكية ينتقد تأخر النصوص التنظيمية

ثمن فريق التقدم والاشتراكية أدوار المجلس الأعلى للحسابات في تجويد التدبير العمومي، وترسيخ الشفافية، وقواعد الحكامة الجيدة.

وأكد الفريق ضرورة تقليص الفجوة بين الحجم الفعلي للفساد والتمثل المجتمعي حوله. كما دعا إلى مواصلة بناء الثقة عبر مؤسسات أكثر فعالية.

وفي الشق الاقتصادي، انتقد الفريق تأخر الحكومة في إخراج النصوص التنظيمية المتعلقة بميثاق الاستثمار ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة.

كما سجل آثار محدودية تنفيذ خارطة الطريق المتعلقة بتحسين مناخ الأعمال. وركز على مشاكل الاستثمار، خاصة ما يرتبط بالولوج إلى العقار.

العدالة والتنمية تنتقد ميثاق الاستثمار والدين

سجلت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية أن ميثاق الاستثمار لم ينتج بعد الأثر المنتظر منه. وربطت ذلك بتأخر إصدار النصوص التنظيمية الخاصة بالمقاولات الصغرى.

كما انتقدت ضعف الالتقائية بين السياسات العمومية. ودعت إلى آليات ناجعة لتتبع أثر الاستثمار على التشغيل والتنمية المجالية.

وبخصوص المالية العمومية، توقفت المجموعة عند استمرار العجز وارتفاع مستويات الدين. واعتبرت أن ذلك يعكس محدودية اختيارات الحكومة في التحكم في التوازنات المالية دون المساس بالقدرة الشرائية.

كما انتقدت اللجوء إلى التمويلات المبتكرة، التي قالت إنها بلغت 160 مليار درهم خلال الولاية الحالية.

مواقف فردية تدعو إلى إصلاح أعمق

نوهت النائبة ريم شباط بعمل المجلس الأعلى للحسابات في ضبط التوازنات المالية، ورصد مكامن الخلل، والتوقف عند اختلالات التدبير العمومي.

وسجلت استمرار الفوارق في تدبير الموارد المائية بعدد من الجماعات الترابية، خاصة خلال فصل الصيف.

من جهتها، اعتبرت النائبة فاطمة التامني أن التقرير كشف عجز الحكومة عن تحويل السياسات العمومية إلى نتائج ملموسة، رغم تضخم الميزانيات وتعدد البرامج.

وانتقدت استمرار اختلالات تدبير ملفات الماء والطاقة والحماية الاجتماعية والتعليم العالي.

أما النائبة نبيلة منيب، فشددت على ضرورة النهوض بالمستشفيات العمومية. كما أكدت أهمية تقرير المجلس في تحديد مكامن الخلل في إنجاز البرامج والمشاريع، ومدى مراعاتها للمصلحة العامة.

تقرير رقابي يتحول إلى نقاش سياسي

كشف نقاش مجلس النواب أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات لم يبق مجرد وثيقة رقابية تقنية. فقد تحول إلى مناسبة سياسية لتقييم السياسات العمومية، وقياس أثرها على المواطن.

فالأغلبية تمسكت بمنطق الإصلاحات الكبرى، ورأت في التقرير دعما لمسار الحكومة مع ضرورة التسريع. أما المعارضة، فركزت على الفوارق، وضعف الحكامة، ومحدودية الأثر الاجتماعي.

وبين القراءتين، يظل الرهان في تحويل ملاحظات المجلس إلى إجراءات عملية. فالقيمة الحقيقية للتقارير الرقابية لا تظهر فقط في النقاش البرلماني، بل في قدرة المؤسسات على تصحيح الاختلالات، وتحسين الخدمات، وتوجيه المال العمومي نحو أثر ملموس.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts