عبدالسلام الصديقي يفكك أنظمة الاقتراع ويحدد الأنسب للمغرب

اللوائح الانتخابية

في خضم المشاورات الجارية مع القوى السياسية حول الاستحقاقات التشريعية المقررة في شتنبر 2026، يفتح الوزير السابق والخبير الاقتصادي عبدالسلام الصديقي نقاشا حيويا بشأن نمط الاقتراع الأمثل للمغرب، مؤكدا أن هذا النقاش ليس مجرد مسألة تقنية، بل يحمل أبعادا سياسية ودستورية عميقة، تهم مستقبل الديمقراطية المغربية.

يشير الصديقي إلى أن أنظمة الاقتراع في العالم تتوزع بين ثلاثة أنماط كبرى: الاقتراع بالأغلبية، الاقتراع النسبي، والاقتراع المختلط. لكل نظام مميزاته ونقائصه، فالأغلبية تمنح الاستقرار السياسي لكنها تهمش التعددية، بينما النسبية توفر تمثيلا عادلا لكنها قد تفرز مشهدا حزبيا مشتتا وصعوبة في تشكيل الأغلبية، أما النظام المختلط فيحاول التوفيق بين مزايا الاثنين.

ويعيد الصديقي التذكير بالتجربة المغربية التي اعتمدت، منذ أولى الانتخابات إلى غاية سنة 2002، نظام الاقتراع الأحادي في دورة واحدة، والذي سرعان ما كشف محدوديته.

فقد فتح المجال، وفق عبدالسلام الصديقي أمام هيمنة الأعيان وشراء الأصوات، وسمح بانتشار ما سُمّي بـ “المرشحين المستقلين” الذين تحولوا لاحقا إلى حزب سياسي يقود الأغلبية.

أمام هذا الوضع، تم الانتقال إلى نمط اللائحة سنة 2002 مع توزيع المقاعد على أساس القاسم الانتخابي وأكبر البقايا، غير أن هذا النظام لم يختلف كثيرا عن سابقه، إذ واصل تكريس هيمنة المال السياسي عبر ما يعرف بـ”مول الشكارة”، بينما بقي دور الأحزاب ضعيفا.

في المقابل، يعتبر الصديقي أن اعتماد لائحة وطنية للشباب والنساء، قد شكّل تحسنا نسبيا في إشراك الفئات المهمشة، لكنه لم يكن كافيا لإحداث التغيير المنشود.

ويقترح الخبير الاقتصادي أن الخيار الأنسب للمغرب اليوم يتمثل في تبني نظام الاقتراع اللائحي بالنسبية مع أكبر بقية، باعتباره الأكثر انسجاما مع طبيعة النظام السياسي المغربي المنصوص عليه في الدستور: “ملكية دستورية، ديمقراطية، برلمانية واجتماعية”.

هذا الخيار، بحسب عبدالسلام الصديقي، كفيل بضمان تمثيل عادل لمختلف الحساسيات السياسية، وتعزيز الاستقرار والتماسك الوطني، ومنح المواطنين شعورا بالمشاركة الفعلية في بناء مستقبل البلاد.

كما سيسمح بتمكين الأطر السياسية ذات الكفاءة من دخول البرلمان، للقيام بأدواره الدستورية كاملة: التشريع، مراقبة الحكومة، وتمثيل المغرب دوليا.

ويلفت الصديقي إلى أن البرلمان المغربي، في تركيبته الحالية، لا يعكس هذا الطموح، إذ ظل أسير الحسابات الضيقة والوجوه المرتبطة بالمال الانتخابي أكثر من ارتباطها بالعمل السياسي الميداني.

ولهذا يشدد على أن تعزيز مكانة الأحزاب لا يمر عبر انتقاد ضعفها، بل عبر توفير شروط المنافسة العادلة وتمكينها من أداء أدوارها كاملة.

ويتوقف الكاتب أيضا عند قضية المناصفة، معتبرا أن المغرب لا يمكن أن يتأخر في هذا المجال. فهو يقترح اعتماد لوائح جهوية انتقالية، تتشكل من رؤساء قوائم بالتناوب بين النساء والرجال (6 نساء و6 رجال مثلا في كل جهة)، لضمان المناصفة الفعلية وإعادة الاعتبار للعمل السياسي.

أما على مستوى تشكيل الأغلبية الحكومية، فيؤكد عبدالسلام الصديقي أن التعددية الحزبية التي ستفرزها النسبية لن تخل بالاستقرار، لأن الحكومة ستظل دائما “حكومة جلالة الملك”، حيث يحدد الملك، وفق الدستور، الخيارات الاستراتيجية الكبرى للبلاد.

ويخلص الوزير السابق إلى أن الانتقال إلى نظام الاقتراع بالنسبية، مع لوائح جهوية ومناصفة تامة يمثل خطوة جريئة ستضمن للمغرب مكاسب سياسية واجتماعية أكيدة، وستعزز صورته كبلد ديمقراطي حديث، خاصة مع الاستحقاقات الكبرى المقبلة، وعلى رأسها تنظيم كأس العالم 2030.

بهذا الطرح، يضع عبدالسلام الصديقي لبنة جديدة في النقاش الوطني حول مستقبل الديمقراطية المغربية، مؤكدا أن الربح مضمون، وأن الجرأة في إصلاح النظام الانتخابي ستجعل السياسة أكثر مصداقية، وستمنح المغاربة برلمانا حقيقيا يمثل الأمة لا “مول الشكارة”.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts