الدار البيضاء .. مدينة تباع في المزاد العلني تحت غطاء الاستثمار

قالت حنان رحاب، رئيسة منظمة النساء الاتحاديات، أن الأزمة التي تعرفها مدينة الدار البيضاء اليوم، لم تعد مجرد نتائج لسوء التدبير أو اختلالات في التسيير، بل باتت أقرب إلى مسلسل تفكيك ممنهج لمعالم المدينة وتجريدها من روحها، في ظل سياسة حضرية تنحاز إلى مصالح كبار المستثمرين وتقصي سكان المدينة.

وأضافت رحاب في تدوينة طويلة على حسابها الرسمي بموقع “فايسبوك”، أنه تحت ذريعة “تحديث البنية التحتية” و”تشجيع الاستثمار”، تحول الفضاءات العامة إلى مشاريع مغلقة. الحدائق، التي كانت في الماضي متنفسا للمواطنين، أُقفلت في وجه العامة وأصبحت تُكترى لفائدة شركات خاصة. الشواطئ، التي يُفترض أن تظل ملكا جماعيا، أصبحت محاطة بالأسوار والحراس الأمنيين، تمنع الفقراء من الاستجمام، وتُفتح فقط أمام أصحاب المال والنفوذ.

حتى الساحات العمومية، تضيف رحاب لم تسلم من هذا التوجه، إذ تحولت إلى مشاريع مربحة لا تمت بصلة لحاجيات السكان، ولا تحترم الحق الجماعي في الفضاء العام المفتوح. والأسوأ من ذلك، أن المعالم التاريخية، التي تشكل ذاكرة المدينة، أصبحت تُخصص أو تُكرى لفائدة مشاريع ربحية تفتقر لأي انتماء للمكان أو للإنسان.

كل شيء، من منظور رئيسة منظمة النساء الاتحاديات أضحى مطروحا للبيع في الدار البيضاء: الأرصفة، الحدائق، الشواطئ، المآثر، بل حتى هوية المدينة نفسها. والمستفيد معروف: كبار ممولي “المخطط الأزرق 2026” ومن يدور في فلكهم من المحظوظين الجدد في مجالات العقار والسياحة والتجارة.

في المقابل، وفق رحاب دائما، الساكنة تهمش وتُقصى وتُدفع إلى الهامش، بلا صوت ولا تمثيلية حقيقية في اتخاذ القرار. المدينة لم تعد تُدار بمنطق الصالح العام، بل بمنطق الغنيمة وتوزيع الكعكة بين أطراف شبكة المصالح السياسية والمالية.

صمت مريب من جميع الجهات

وهنا تطرح رحاب تساؤلات ملحّة: “أين هو المجلس الجماعي المنتخب؟ أين المعارضة التي تعهدت بالدفاع عن مصالح السكان؟ وأين وزارة الداخلية التي يفترض أن تحمي المرافق العمومية من التفويت والتلاعب؟”.

الجواب الصادم هو: الصمت. صمت مريب يُفهم على أنه تواطؤ ضمني، أو مشاركة غير معلنة في عملية تجريد الدار البيضاء من روحها ومقوماتها الاجتماعية والثقافية، تقول رحاب: “صمت مريب، مفضوح، لا يمكن تفسيره إلا بكون الجميع شريك بطريقة أو بأخرى في هذا المسلسل البشع لتجريد البيضاء من روحها…”.

الدار البيضاء تغتصب باسم التنمية

وتابعت رحاب، أن الدار البيضاء، التي كانت دائما مدينة الجميع، تُغتصب اليوم باسم التنمية. لكنها تنمية لا تراعي كرامة السكان، ولا تُبنى معهم ولا لأجلهم.

وزادت، أن لا أحد يرفض الاستثمار الحقيقي الذي يخلق فرص الشغل ويُنعش الاقتصاد المحلي، لكن ما يُمارس على الأرض هو تحويل المدينة إلى مزرعة خاصة لأقلية محظوظة، تتحكم في مصيرها باسم “التأهيل الحضري”.

والنتيجة حسب رحاب، مواطنون يُقصون من فضاءاتهم، يُجبرون على أن يكونوا غرباء في مدينتهم، ويُدفعون إلى التفرج على مشاريع لا تخدمهم في شيء.

رسالة إلى من يهمه الأمر

ووجهت رحاب رسالة إلى من يهمه الأمر، كون أن مدينة الدار البيضاء لا تحتاج إلى واجهات سياحية مصطنعة تُعرض في النشرات الإخبارية الرسمية، بل تحتاج إلى فضاءات عمومية نظيفة، مفتوحة، تحترم كرامة المواطن وتُعيد له الإحساس بالانتماء. تحتاج إلى سياسات حضرية عادلة، تشاركية، تُبنى مع السكان لا ضدهم.

وخلصت: “ما يقع في البيضاء ليس مجرد فساد إداري أو سوء تدبير، بل هو قرار سياسي واقتصادي مكتمل الأركان: قرار ببيع المدينة ومن فيها لمن يدفع أكثر، وتهميش سكانها حتى إشعار آخر. والتاريخ لن يرحم”.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts