أكد الخبير الكندي جاك جيدواب أن الخطاب الملكي أمام البرلمان يرسم ملامح شراكة جديدة بين المغرب وأوروبا في مجال الهجرة. وتقوم هذه الشراكة، بحسب قراءته، على المسؤولية المشتركة والاحترام المتبادل والحوار البناء ومراعاة مصالح البلدان المعنية.
وأوضح جيدواب، الرئيس المدير العام للجمعية الكندية للدراسات التابعة لمعهد «ميتروبوليس»، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن تدبير تدفقات الهجرة يحتاج إلى مقاربة تشاورية ومتوازنة. كما شدد على ضرورة استحضار انشغالات مختلف البلدان المعنية، بما يعزز التعاون بينها ويضمن مراعاة مصالحها المشروعة.
وتأتي هذه القراءة في سياق النقاش المتجدد حول مستقبل التعاون بين المغرب وشركائه الأوروبيين في ملف الهجرة. ويبرز التصريح أهمية الانتقال من معالجة التحديات الظرفية إلى بناء شراكة تستند إلى الحوار وتقاسم المسؤوليات.
الهجرة.. مقاربة تتجاوز الاعتبارات الأمنية
اعتبر جيدواب أن تدبير الهجرة لا يمكن أن يقتصر على الاعتبارات الأمنية وحدها. بل ينبغي أن يشمل أيضاً الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بهذه الظاهرة.
ويعكس هذا التصور تعدد جوانب ملف الهجرة، الذي يتجاوز مراقبة الحدود والإجراءات المرتبطة بها. إذ تفرض طبيعته اعتماد التنسيق بين البلدان المعنية، مع مراعاة الظروف الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة بالمهاجرين.
وفي هذا السياق، يكتسب الحوار أهمية خاصة في معالجة الاختلافات بين الشركاء. كما يتيح تبادل وجهات النظر بشأن المسؤوليات التي يتحملها كل طرف، والبحث عن حلول تراعي مصالح البلدان المعنية.
وشدد الخبير الكندي على أن التعاون المثمر يتطلب مقاربة متوازنة تستحضر انشغالات جميع الأطراف. ويعني ذلك، وفق هذا التصور، عدم اختزال العلاقات المرتبطة بالهجرة في الجانب الأمني، مع توسيع النقاش ليشمل مختلف الأبعاد المؤثرة في الظاهرة.
وتضع هذه القراءة الحوار البناء في صلب أي تعاون مستدام. كما تربط نجاح الشراكة بقدرة الأطراف على تدبير اختلافاتها، من خلال التشاور والبحث عن أرضية مشتركة.
السيادة والاحترام المتبادل أساس الشراكة
وأشار جيدواب إلى أن الموقف المغربي يندرج ضمن رؤية أوسع للعلاقات الدولية. وترتكز هذه الرؤية، بحسب تصريحه، على احترام سيادة الدول والاعتراف بدورها كشركاء كاملي الأهلية.
ويبرز هذا الموقف أهمية التعامل مع البلدان المعنية بالهجرة باعتبارها أطرافاً فاعلة في صياغة الحلول. كما يؤكد ضرورة بناء العلاقات على الاحترام المتبادل، بدل حصرها في التزامات أحادية الجانب.
وفي هذا الإطار، تبرز مسألة تقاسم المسؤولية باعتبارها أحد المرتكزات الأساسية للتعاون. فمعالجة التحديات المشتركة تحتاج إلى مساهمة الأطراف المعنية، وإلى تنسيق يراعي مصالح كل بلد والتزاماته.
ويمنح هذا التصور السيادة الوطنية مكانة أساسية في العلاقات بين الشركاء. كما يربط التعاون الفعال بوجود حوار يسمح بتوضيح المواقف، ومناقشة الاختلافات، وتحديد مجالات العمل المشترك.
وتتقاطع هذه المبادئ مع توجه الخطاب الملكي نحو مراجعة نموذج التعاون في مجال الهجرة. فقد دعا الملك محمد السادس إلى تجاوز الاختلالات التي تحد من فعالية هذا النموذج، وإلى بناء تعاون يقوم على التوازن واحترام الالتزامات.
كما أعلن الخطاب الملكي التوجه نحو تقديم رؤية استراتيجية عملية إلى الشركاء، بهدف تعزيز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. ويضع هذا التوجه التعاون في مجال الهجرة ضمن أفق أوسع للعلاقات بين المغرب وشركائه.
التنمية المشتركة لتعزيز التعاون المستدام
وأكد جيدواب أن استدامة التعاون في مجال الهجرة تستلزم مقاربة شمولية تقوم على الثقة والمسؤولية والتنمية المشتركة. كما شدد على ضرورة مراعاة المصالح المشروعة لكل طرف، بما يساعد على بناء علاقات متوازنة.
وتبرز التنمية المشتركة في هذا السياق باعتبارها أحد الأبعاد التي ينبغي استحضارها عند معالجة قضايا الهجرة. فالتعاون لا يقتصر على تدبير التحركات عبر الحدود، بل يشمل أيضاً بناء علاقات مستدامة بين البلدان المعنية.
ومن جهة أخرى، يفرض تعدد أبعاد الهجرة تنسيق الجهود بين مختلف الأطراف. ويشمل ذلك الحوار بشأن الأولويات، وتحديد المسؤوليات، وتطوير آليات التعاون بما يستجيب للتحديات المطروحة.
ويرتبط نجاح هذه المقاربة بمدى استعداد الشركاء لاحترام التزاماتهم المتبادلة. كما يتطلب بناء الثقة وضوحاً في المواقف، وتوازناً في تحمل المسؤوليات، ومراعاة المصالح المشروعة لجميع الأطراف.
وفي هذا الإطار، تمنح الدعوة إلى شراكة جديدة أهمية أكبر للحوار بين المغرب وأوروبا. إذ يتيح التشاور مناقشة التحديات المشتركة، وتحديد مجالات التعاون، وتطوير حلول تأخذ بعين الاعتبار تعدد أبعاد ملف الهجرة.
وخلص جيدواب إلى أن الخطاب الملكي يؤكد أهمية إرساء تعاون متوازن، يجعل تدبير الهجرة رافعة للشراكة على قدم المساواة والتنمية المشتركة. وتعكس هذه القراءة، في جوهرها، الدعوة إلى بناء علاقات تستند إلى الاحترام المتبادل وتقاسم المسؤولية والحوار المستمر.