أفاد المرصد الحكومي في تقريره حول الحصيلة الحكومية 2021-2026 تحت عنوان: “حصيلة الحكومة، بين وفاء جزائي للالتزامات و استمرار للاختلالات”، أن المرحلة الممتدة بين 2021 و2026، تكشف انتقالا تدريجيا من منطق رصد المنجزات إلى تفكيك مكامن التعثر. حيث يبرز اتساع الفجوة بين سقف الوعود الانتخابية وحجم النتائج المحققة على الأرض. وينطبق ذلك سواء في ما يتعلق بالتشغيل، أو القدرة الشرائية، أو جودة الخدمات العمومية الأساسية. ويشمل أيضًا ما يرتبط باستمرار بعض الاختلالات البنيوية مثل الريع وتضارب المصالح. كما يشمل محدودية أثر السياسات الموجهة للطبقة المتوسطة. إضافة إلى استمرار الفوارق المجالية والاجتماعية.
أزمة التشغيل وسقوط الوعد بمليون منصب شغل
كما سجل التقرير فقدانا صافيا لعدد من مناصب الشغل في القطاع الفلاحي والوسط القروي نتيجة توالي سنوات الجفاف. حيث تم فقدان حوالي 137 ألف منصب سنة 2024. وهو ما عمق هشاشة سوق الشغل، خاصة في صفوف الشباب والنساء بالمجال القروي. وزاد من الضغط على سوق الشغل الحضري.
ويضيف التقرير أن البرامج الحكومية مثل “أوراش” و“فرصة”، رغم أهميتها الاجتماعية، لم تحقق الأثر الكافي من حيث الإدماج المهني المستدام، بالنظر إلى حجم الطلب المتزايد على الشغل. خصوصا لدى الخريجين، ما يجعل أزمة التشغيل، بحسب التقرير، أكبر فجوة بين الالتزام السياسي والنتائج الفعلية.
تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار
أفاد المرصد الحكومي في تقريره حول تطور الأسعار أن تآكل القدرة الشرائية يشكل ثاني أكبر نقطة تعثر في الحصيلة الحكومية 2021-2026، بالنظر إلى انعكاسه المباشر على الحياة اليومية للأسر المغربية. حيث سجل المغرب موجة تضخمية غير مسبوقة خلال بداية سنة 2023، بلغ فيها معدل التضخم 10,1 في المئة، فيما تجاوز تضخم المواد الغذائية 20 في المئة.
وأوضح التقرير أن هذا الارتفاع انعكس بشكل واضح على أسعار المواد الأساسية مثل اللحوم والخضر والزيوت والسمك، إضافة إلى ارتفاع كلفة النقل والسكن والخدمات، وهو ما جعل التحسن الإحصائي اللاحق في معدلات التضخم لا ينعكس بنفس القوة على الإحساس الفعلي لدى المواطنين بانخفاض الأسعار.
ورغم الإجراءات الحكومية الهادفة إلى التخفيف من حدة الغلاء، فإن التقرير يشير إلى أن أثرها ظل محدودا في ما يتعلق بحماية القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة والفئات غير المستفيدة من الدعم المباشر، ما جعل الضغط المعيشي مستمرا، خاصة في ظل استمرار تقلبات أسعار المواد الأساسية.
ويخلص التقرير إلى أن تآكل القدرة الشرائية أصبح أحد أبرز مؤشرات تقييم الأداء الحكومي لدى المواطنين، باعتبار أن كلفة المعيشة اليومية باتت العامل الأكثر تأثيرا في تشكيل الرأي العام حول فعالية السياسات العمومية.
بطء الأثر الاجتماعي لإصلاحات الصحة والتعليم
شدد المرصد الحكومي في تقريره حول قطاعي الصحة والتعليم أن بطء الأثر الاجتماعي للإصلاحات يعد أحد أبرز مكامن التعثر في الحصيلة الحكومية. رغم إطلاق أوراش كبرى همّت إعادة هيكلة المنظومة الصحية، وتعميم الحماية الاجتماعية. وتنزيل خارطة الطريق 2022–2026 في قطاع التعليم، وتوسيع نموذج “مدارس الريادة”.
غير أن التقرير يؤكد أن هذا الزخم الإصلاحي لم ينعكس بالسرعة نفسها على جودة الخدمات اليومية المقدمة للمواطنين. حيث ظل الولوج إلى العلاج، وتقليص الاكتظاظ، وتحسين جودة التعلمات، دون مستوى الانتظارات الاجتماعية. وهو ما خلق فجوة واضحة بين حجم الإصلاحات المعلنة والإحساس الفعلي بالتغيير.
وفي قطاع الصحة، سجل التقرير استمرار خصاص الموارد البشرية والتجهيزات والبنيات التحتية، خاصة في المستشفيات الإقليمية والمجالات القروية، ما أدى إلى ضغط كبير على المستشفيات العمومية، وطول آجال المواعيد الطبية. وصعوبات في الولوج إلى التخصصات، رغم توسيع التغطية الصحية.
كما أشار التقرير إلى أن عددا من الإصلاحات، ومنها تلك المرتبطة بتكوين طلبة الطب، واجهت إشكالات تنزيل أدت إلى احتجاجات قطاعية. ما يعكس، حسب التقرير، أن الإصلاح المؤسساتي لم يكن دائما مرفوقا بما يكفي من التواصل والتأطير مع الفاعلين المعنيين.
أما في قطاع التعليم، فرغم إطلاق إصلاحات بيداغوجية وهيكلية، فإن التقرير يسجل استمرار الفوارق المجالية، وضعف البنيات التحتية في العالم القروي، واستمرار الهدر المدرسي. إضافة إلى تأثير الإضرابات التي شهدها القطاع خلال جزء مهم من الولاية، ما انعكس على الزمن المدرسي وثقة الأسر في المدرسة العمومية.
ويخلص التقرير إلى أن الأثر الاجتماعي للإصلاح في القطاعين لم يصل بعد إلى مستوى إعادة بناء الثقة. حيث ما يزال المواطن يقيس نجاح السياسات العمومية بمدى تحسن الخدمة اليومية وليس فقط بحجم البرامج والإصلاحات المعلنة.
استمرار مظاهر الريع وضعف محاربة الفساد
ولفت المرصد الحكومي في تقريره حول الحكامة ومحاربة الفساد أن استمرار مظاهر الريع وضعف الأثر الملموس لسياسات النزاهة يشكل أحد أبرز مكامن التعثر في الحصيلة الحكومية، بالنظر إلى ارتباط هذا الملف المباشر بثقة المواطنين في المؤسسات. وعدالة المنافسة الاقتصادية، وتكافؤ الفرص.
وأوضح التقرير أن المغرب ما يزال يسجل تموقعا متوسطا إلى متأخر نسبيا في مؤشرات إدراك الفساد، ما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بفعالية آليات الزجر والوقاية، رغم وجود ترسانة قانونية ومؤسساتية في هذا المجال.
كما أشار التقرير إلى أن الكلفة الاقتصادية للفساد تظل مرتفعة. حيث تقدر بحوالي 50 مليار درهم سنويا، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على نجاعة الاستثمار العمومي، ويحد من أثر عدد من البرامج الاجتماعية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، توقف التقرير عند ملف المحروقات، مشيرا إلى استمرار النقاش حول ممارسات السوق، وما ترتب عنه من اختلالات في سلاسل التوزيع، رغم تدخلات مجلس المنافسة، وهو ما عزز الإحساس باستمرار بعض مظاهر الريع في قطاعات استراتيجية.
كما أورد التقرير أن عدد من الجدل المرتبط بالصفقات العمومية وتضارب المصالح ساهم في تغذية النقاش العمومي حول الحكامة. في ظل مطالب بتقوية الشفافية وتوسيع آليات المراقبة.
محدودية أثر السياسات على الطبقة المتوسطة
أفاد المرصد الحكومي في تقريره حول البنية الاجتماعية أن الطبقة المتوسطة ما تزال من أكثر الفئات تأثرا بتقلبات الظرفية الاقتصادية. رغم التحسن المسجل في بعض المؤشرات الماكرو اقتصادية. وذلك بسبب محدودية استفادتها من سياسات الدعم المباشر، مقابل ارتفاع متواصل في كلفة العيش.
وأوضح التقرير أن هذه الفئة تواجه ضغطا متزايدا مرتبطا بارتفاع نفقات السكن، والتعليم الخصوصي، والصحة، والنقل، إلى جانب الأعباء الضريبية وأقساط القروض، ما قلص من هامشها الادخاري وقدرتها على الاستهلاك المستقر.
كما أشار التقرير إلى أن تحسن الدخل الإجمالي للأسر لم ينعكس بشكل متوازن على مختلف الفئات. حيث استفادت بعض الشرائح بشكل أكبر من غيرها، في حين ظلت الطبقة المتوسطة تتحمل الجزء الأكبر من كلفة الخدمات الأساسية.
ويخلص التقرير إلى أن هذه الفئة، التي تشكل ركيزة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، لم تلمس بعد الأثر الكامل للإصلاحات، ما يجعلها من أقل الفئات إحساسا بتحسن الوضع الاجتماعي خلال هذه الولاية.
استمرار الفوارق المجالية والاجتماعية
وسجل المرصد الحكومي في تقريره حول العدالة المجالية أن استمرار الفوارق بين الجهات يشكل أحد أبرز التحديات البنيوية التي تواجه السياسات العمومية. حيث ما تزال الثروة الوطنية متمركزة في عدد محدود من الجهات.
وأبرز التقرير أن ثلاث جهات رئيسية تستحوذ على أكثر من نصف الناتج الداخلي الخام. في حين تظل جهات أخرى ذات مساهمة محدودة رغم توفرها على مؤهلات طبيعية وبشرية مهمة، ما يعكس استمرار اختلال التوازن الترابي.
كما أشار التقرير إلى أن توزيع الاستثمار العمومي ما يزال يميل لصالح الجهات الأكثر دينامية اقتصاديا. وهو ما يحد من قدرة السياسات العمومية على تقليص الفوارق المجالية.
وعلى المستوى الاجتماعي، سجل التقرير استمرار نسب الفقر متعدد الأبعاد في العالم القروي، إضافة إلى ارتفاع نسب الهدر المدرسي في عدد من الجهات الداخلية، ما يعكس استمرار التفاوت في الولوج إلى الخدمات الأساسية.
ويخلص التقرير إلى أن تحقيق العدالة المجالية ما يزال رهينا بقدرة السياسات العمومية على إعادة توجيه الاستثمار. وتقليص الفجوات الترابية بشكل فعلي ومستدام.
الحصيلة الحكومية.. فجوة بين التصميم والتنزيل
أفاد المرصد الحكومي في تقريره حول تقييم الحصيلة الحكومية للفترة 2021–2026، أن مجموعة من الإشكالات الأفقية ظلت حاضرة بقوة في مختلف السياسات العمومية. في الواقع، لم يقتصر التعثر على القطاعات الاجتماعية والاقتصادية المعزولة. بل امتد إلى منطق الحكامة العامة، وآليات التنسيق بين القطاعات، وسرعة تحويل البرامج المعلنة إلى أثر ملموس على حياة المواطنين.
ويشير التقرير إلى أن هذه الفجوة بين التصميم المؤسساتي والتنزيل الفعلي تعكس محدودية في الأثر العمومي لبعض الإصلاحات. يحصل ذلك رغم حجم البرامج المعلنة واتساع نطاقها. وهو ما يجعل الإشكال مرتبطًا أيضًا بكيفية تدبير السياسات العمومية وتتبعها وتقييمها.
ضعف الحكامة العمومية وتشتت السياسات القطاعية
يبرز ضعف الحكامة العمومية وتشتت السياسات القطاعية كأحد أهم العوامل البنيوية التي ساهمت في إبطاء الأثر الاجتماعي والاقتصادي للحصيلة الحكومية. حيث تم إطلاق عدد كبير من الأوراش بشكل متزامن دون تحقيق دائم للالتقائية بين القطاعات.
وفي هذا السياق، يلاحظ أن البرامج الاجتماعية الكبرى في الصحة والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية لا تخضع دائمًا لمنظومة موحدة لقياس الأثر. هذا ما يؤدي إلى تداخل في التدخلات وضعف في نجاعة الإنفاق العمومي.
كما أن تعدد المتدخلين وتداخل الصلاحيات بين المركز والجهات يساهم في إبطاء اتخاذ القرار. وبالإضافة لذلك، يؤثر على سرعة معالجة الاختلالات الميدانية، خاصة في البرامج ذات الطابع الاجتماعي المباشر.
ويشير التقرير كذلك إلى وجود فجوة بين مستوى التخطيط الاستراتيجي ومستوى التنفيذ. حيث يتم الإعلان عن أهداف طموحة دون توفير دائم لكل شروط الإنجاز من موارد بشرية. وبنيات تحتية وآليات تتبع صارمة.
تحديات التنسيق بين المركز والجهات
يرصد التقرير استمرار التفاوت بين المركز والجهات في تنزيل السياسات العمومية، رغم التقدم في ورش الجهوية المتقدمة. حيث يتم تصميم عدد من البرامج مركزياً بينما يُنزل ميدانيًا بقدرات متفاوتة.
ويؤدي هذا الوضع إلى اختلاف في سرعة التنفيذ وجودة النتائج بين الجهات. يبرز ذلك خاصة بين المجالات الحضرية الكبرى والمناطق الداخلية والقروية.
كما أن محدودية الموارد المالية والبشرية على المستوى الترابي، وضعف الاستقلالية في اتخاذ القرار، يحدان من قدرة الجهات على تسريع تنفيذ المشاريع التنموية والاجتماعية.
إشكالية تقييم الأثر وضعف ثقافة النتائج
يسجل التقرير استمرار هيمنة منطق “الإنجاز الكمي” على حساب “الأثر الفعلي”. إذ تُقاس البرامج بعدد المشاريع أو حجم الميزانيات بدل قياس تأثيرها على حياة المواطنين.
ويؤدي هذا الخلل إلى ضعف في قراءة النتائج الحقيقية للسياسات العمومية. خاصة في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية.
كما يشير التقرير إلى ضعف منظومة التقييم المستقل. وكذلك غياب نشر دوري مفصل للمعطيات، ما يحد من الشفافية ويصعب تقييم الأداء العمومي بشكل موضوعي.
الحصيلة الحكومية بين دينامية الإصلاح وحدود الأثر
يخلص التقرير إلى أن الحصيلة الحكومية تتميز بدينامية إصلاحية مهمة على مستوى إطلاق الأوراش الكبرى. ومع ذلك، فإن الأثر الاجتماعي لهذه الإصلاحات لم يواكب دائمًا نفس الوتيرة.
ويُرجع التقرير هذا التفاوت إلى بطء التنفيذ، وضعف التنسيق. وتشتت السياسات العمومية، واستمرار بعض الإشكالات المرتبطة بالحكامة. بما في ذلك الريع وضعف تقييم الأثر.
وبناءً على ذلك، فإن المرحلة الحالية تُعتبر مرحلة انتقالية بين إطلاق الإصلاحات وبناء أثرها الاجتماعي الكامل. وليس مرحلة نضج نهائي لهذه الإصلاحات.