أكد الخبير الاقتصادي والوزير الأسبق عبدالسلام الصديقي، في قراءة تحليلية للتقرير العالمي عن السعادة لسنة 2026، أن الثراء لم يعد مؤشرا كافيا لقياس رفاه الشعوب، في ظل تحولات عميقة تمس بنية المجتمعات وأنماط العيش.
ويبرز التقرير، الصادر برعاية الأمم المتحدة، مفارقات لافتة تعيد طرح سؤال السعادة من زاوية إنسانية تتجاوز الحسابات الاقتصادية الضيقة.
منهجية قياس السعادة العالمية
أوضح عبدالسلام الصديقي أن التقرير يعتمد على أدوات علمية دقيقة، أبرزها استطلاع يشمل آلاف المشاركين عبر العالم. حيث يتم تقييم الحياة وفق مقياس محدد يتراوح بين صفر وعشرة. غير أن أهمية التقرير لا تكمن فقط في هذا التقييم، بل في تحليله لعوامل متعددة تؤثر في الشعور بالسعادة.
وتشمل هذه العوامل مستوى الدخل، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر الصحي، والحرية الفردية، والكرم، إضافة إلى إدراك الفساد. كما يتم اعتماد متوسط النتائج خلال ثلاث سنوات، بهدف تقديم صورة أكثر استقرارا بعيدا عن التقلبات الظرفية.
ترتيب الدول: السعادة خارج معادلة الثروة
في تحليله، توقف الصديقي عند استمرار هيمنة دول شمال أوروبا على صدارة الترتيب. مشيرا إلى أن هذه الدول نجحت في بناء نموذج مجتمعي قائم على الثقة والتضامن وجودة الخدمات، رغم محدودية مواردها مقارنة بقوى اقتصادية كبرى.
في المقابل، سجلت دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا تراجعا نسبيا، وهو ما يعزز، حسب الصديقي، فكرة أن النمو الاقتصادي وحده لا يضمن تحقيق السعادة.
أما الدول التي تعيش على وقع الأزمات، فقد ظلت في ذيل الترتيب، ما يعكس تأثير الاستقرار السياسي والاجتماعي على رفاه الأفراد.
تطور السعادة عالميا بين التحسن والتراجع
أبرز التقرير، كما يشير الصديقي، وجود دينامية متباينة في تطور السعادة عبر الزمن، حيث سجلت عشرات الدول تحسنا ملحوظا، مقابل تراجع أخرى، خاصة في العالم الصناعي. ويعزى ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها الضغوط الاجتماعية وتغير أنماط الحياة.
وفي هذا السياق، سجل المغرب تحسنا طفيفا، غير أن هذا التقدم لم يكن كافيا لتحسين موقعه بشكل كبير في الترتيب العام، ما يعكس استمرار التحديات البنيوية.
وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الشباب
توقف التقرير عند تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما اعتبره الصديقي متغيرا حديثا في معادلة السعادة. إذ أظهرت المعطيات وجود علاقة بين الاستخدام المفرط لهذه الوسائل وتراجع الصحة النفسية. خاصة لدى فئة الشباب.
كما أن الاستخدام المكثف لساعات طويلة يوميا يرتبط بانخفاض مستويات الرضا عن الحياة، في حين أن الاستخدام المعتدل قد يحقق بعض الفوائد الاجتماعية، وهو ما يبرز أهمية التوازن.
المغرب في تقرير السعادة العالمي 2026
حل المغرب في المرتبة 112 عالميا، وهو ترتيب يراه عبدالسلام الصديقي مؤشرا على اختلالات عميقة. خاصة في ما يتعلق بالدخل الفردي والدعم الاجتماعي. كما سجلت مؤشرات الكرم مستويات ضعيفة، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقات الاجتماعية.
في المقابل، جاء أداء المغرب متوسطا في مجالي الصحة والحرية. غير أن إدراك الفساد ظل عاملا مؤثرا سلبا، رغم تسجيله مستويات أقل حدة مقارنة ببعض الدول الأخرى.
نحو نموذج تنموي يركز على الإنسان
خلص عبدالسلام الصديقي إلى أن تحقيق السعادة يتطلب رؤية شمولية تضع الإنسان في صلب السياسات العمومية. من خلال تحسين جودة التعليم، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتقوية الثقة داخل المجتمع.
ويرى أن المغرب يمتلك مؤهلات مهمة لتحقيق تقدم في هذا المجال، غير أن ذلك يظل مرتبطا بمدى القدرة على تنزيل إصلاحات حقيقية تعزز التماسك الاجتماعي وتحد من الفوارق.
في النهاية، يؤكد التقرير، كما يبرز تحليل الصديقي، أن السعادة ليست نتاج الثروة فقط. بل نتيجة توازن دقيق بين الاقتصاد والقيم الإنسانية، داخل مجتمع يضمن الكرامة والعدالة لجميع أفراده.