الصديقي يحذر من تحديات جديدة تهدد الأمن الغذائي بالمغرب

الأمن الغذائي بالمغرب.. الصديقي يرصد التحديات | إحاطة

رصد الفاعل السياسي والوزير السابق عبدالسلام الصديقي، في مقال رأي حول الأمن الغذائي والتغذية، استمرار تراجع الجوع عالميا رغم بطء هذا التحسن وعدم تكافؤه.

واعتبر أن المغرب يواجه بدوره تحديات مرتبطة بندرة المياه وتقلب الإنتاج الزراعي والاعتماد على واردات بعض المواد الأساسية.

واستند الصديقي إلى تقرير الأمم المتحدة لعام 2026 حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم. وأوضح أن نحو 645 مليون شخص عانوا من الجوع خلال سنة 2025، أي ما يعادل 7,8% من سكان العالم.

وأشار الكاتب إلى أن هذا العدد تراجع بنحو 14 مليون شخص مقارنة بسنة 2024. كما انخفض بنحو 43 مليون شخص مقارنة بسنة 2022، رغم استمرار العالم بعيدا عن تحقيق هدف القضاء على الجوع بحلول سنة 2030.

الصديقي يرصد تفاوتات الأمن الغذائي عالميا

وأوضح الصديقي أن إفريقيا تضم العدد الأكبر من الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية. وبلغ العدد نحو 309 ملايين شخص سنة 2025، مقابل 292 مليون شخص في آسيا.

وفي المقابل، أشار إلى تراجع نسبة الجوع في إفريقيا بشكل طفيف. فقد انخفضت من 20,3% إلى 20%، بينما يواصل النمو السكاني الضغط على الأنظمة الغذائية.

وعلى المستوى العالمي، لفت الكاتب إلى مواجهة نحو 2,1 مليار شخص انعداما متوسطا أو شديدا في الأمن الغذائي. كما أشار إلى تعرض النساء وسكان المناطق القروية لمخاطر أكبر مرتبطة بانعدام الأمن الغذائي.

كلفة الغذاء الصحي تزيد الضغط على الأسر

وأكد الصديقي أن المشكلة الغذائية لا ترتبط بتوفر المواد الغذائية في الأسواق فقط. بل تشمل أيضا قدرة الأسر على تحمل كلفة الغذاء الصحي.

وبحسب المعطيات التي أوردها الكاتب، لا يملك نحو 2,7 مليار شخص الوسائل الكافية للحصول على غذاء صحي. كما ارتفع متوسط كلفة الغذاء الذي يلبي الحاجات الأساسية من 3,44 دولارات للفرد يوميا سنة 2021 إلى 4,28 دولارات سنة 2025.

وفي إفريقيا، أوضح الصديقي أن قرابة شخصين من كل ثلاثة لا يستطيعون تحمل كلفة غذاء صحي. لذلك، يربط الأمن الغذائي بالإنتاج والدخل والأسعار وتكاليف النقل والتوزيع.

الحروب والمناخ يضاعفان مخاطر الجوع

وحذر الصديقي من هشاشة المكاسب المحققة في مواجهة النزاعات المسلحة والظواهر المناخية القصوى. كما أشار إلى اضطرابات إمدادات الأسمدة وتراجع المساعدات العمومية للتنمية.

وأوضح أن الحروب تؤثر مباشرة في الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد. فهي تدمر الأراضي والبنيات التحتية، وتهجر السكان، وتعطل المحاصيل ووسائل النقل والتسويق.

كما أشار إلى تأثير النزاعات في الموانئ والطرق البحرية الضرورية لتجارة الحبوب والمنتجات الزراعية. واستحضر الحرب في أوكرانيا مثالا على سرعة تحول نزاع إقليمي إلى أزمة تؤثر في الإمدادات العالمية.

وذكر الصديقي أن روسيا وأوكرانيا كانتا تمثلان قبل الحرب حصة مهمة من صادرات القمح والشعير في العالم. وأوضح أن المعارك وإغلاق موانئ البحر الأسود تسببا في اضطرابات كبيرة في تدفقات المنتجات الزراعية.

المغرب أمام معادلة الإنتاج وندرة المياه

وفي ما يتعلق بالمغرب، أشار الصديقي إلى سلسلة من مواسم الجفاف التي أثرت في شروط الإنتاج الزراعي خلال السنوات الأخيرة. لكنه سجل في المقابل تحسنا خلال سنة 2026 بفضل التساقطات المهمة منذ نهاية سنة 2025.

وأوضح أن هذه التساقطات ساهمت في تحسين رطوبة التربة وإعادة تكوين الاحتياطات المائية. كما سمحت بتوقع محصول من الحبوب في حدود 6,3 ملايين طن، بزيادة تقارب 16% مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية.

ومع ذلك، يرى الصديقي أن تحسن الإنتاج خلال موسم واحد لا يلغي التحديات الهيكلية للقطاع الزراعي. ويشير في هذا السياق إلى استمرار ارتباط المغرب بواردات الحبوب لتغطية جزء من حاجياته الغذائية.

وبناء على ذلك، يربط الكاتب الأمن الغذائي المغربي بعاملين أساسيين. ويتعلق الأمر بمستوى الإنتاج الزراعي وتوفر الموارد المائية.

الصادرات الزراعية تطرح إشكالية البصمة المائية

ويرى الصديقي أن الصادرات الزراعية تساهم في تطوير عدد من السلاسل الإنتاجية. كما توفر أنشطة اقتصادية وتدر العملة الصعبة، لكنها تطرح في المقابل أسئلة مرتبطة باستعمال الموارد المائية.

وأشار إلى اعتماد بعض الزراعات ذات القيمة المضافة العالية على الري. وفي الوقت نفسه، يواصل المغرب استيراد عدد من المواد الغذائية الأساسية، خاصة الحبوب والسكر والزيوت النباتية.

لذلك، يدعو الكاتب إلى تقييم أداء القطاع الزراعي بمؤشرات تتجاوز مردودية الهكتار وقيمة الصادرات. وتشمل هذه المؤشرات إنتاجية المياه والقدرة على الصمود أمام تغير المناخ والمساهمة في الأمن الغذائي.

الأمن الغذائي يتجاوز مفهوم الاكتفاء الذاتي

وأكد الصديقي أن تحقيق الأمن الغذائي لا يعني بالضرورة بلوغ الاكتفاء الذاتي في جميع المواد الغذائية. ويمكن للدولة، وفق هذا الطرح، استيراد جزء من حاجياتها مع الحفاظ على أمنها الغذائي.

ويربط الكاتب ذلك بتوفر مداخيل كافية ومصادر متنوعة للتموين ومخزونات مناسبة. لكنه يحذر من ارتفاع مستوى التبعية عندما يتعلق الأمر بمواد أساسية.

وتزداد المخاطر، وفق الصديقي، عندما تتزامن هذه التبعية مع تقلبات مناخية وتوترات دولية. لذلك، يدعو إلى تحقيق توازن بين الإنتاج الوطني والاستيراد وتنويع مصادر التموين.

هدر الغذاء يستنزف الموارد المائية

وينبه الصديقي كذلك إلى أن هدر الغذاء يمثل جانبا آخر من تحديات الأمن الغذائي. وأوضح أن كميات من الأغذية المنتجة لا تصل إلى مرحلة الاستهلاك النهائي.

واستند الكاتب إلى معطيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التي تفيد بأن الأسر المغربية رمت سنة 2022 نحو 4,2 ملايين طن من المواد الغذائية. ويعادل ذلك حوالي 113 كيلوغراما للفرد سنويا.

كما أشار إلى تسجيل خسائر خلال مراحل الإنتاج والحصاد والتخزين والنقل. وتتراوح هذه الخسائر في بعض السلاسل بين 20 و40%.

ولفت الصديقي إلى ارتباط جزء من الهدر المنزلي بشراء كميات تفوق الحاجة وإعداد موائد أكبر من القدرة على الاستهلاك. وتظهر هذه الممارسات أيضا خلال الأعراس والمناسبات الكبرى.

وبحسب المعطيات التي أوردها، يستخدم المغرب أكثر من 1,6 مليار متر مكعب من المياه سنويا لإنتاج أغذية لا تصل إلى الاستهلاك النهائي.

الصديقي يقترح توسيع مقاربة الأمن الغذائي

ويرى الصديقي أن مواجهة هذه التحديات تفرض توسيع مقاربة الأمن الغذائي. وتشمل هذه المقاربة الإنتاج والتخزين والنقل والتوزيع والاستهلاك.

كما يبرز الكاتب أهمية تطوير زراعات تتلاءم مع الموارد المائية المستقبلية. ويشدد أيضا على اعتماد تقنيات أكثر اقتصادا في استعمال المياه.

ويولي الصديقي أهمية للبحث الزراعي ودعم الفلاحين في مواجهة تغير المناخ. كما يشير إلى دور تحسين التخزين والتبريد والنقل والتوزيع في الحد من الخسائر والتأثير في الأسعار.

وفي السياق نفسه، يبرز تقليص الضياع والهدر ضمن محاور السياسات الغذائية. ويمتد ذلك من مرحلة ما بعد الحصاد إلى التخزين والنقل والاستهلاك.

كما يدعو إلى تنويع مصادر التموين وبناء هوامش أمان لحماية الأسواق من الصدمات الخارجية. ويكتسب هذا التوجه أهمية أكبر، وفق الكاتب، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية والتجارية.

وبالنسبة إلى المغرب، يحدد الصديقي أولويات تشمل إنتاج المزيد باستعمال مياه أقل. كما تشمل تقليص هشاشة الواردات الأساسية وحماية دخل الفلاحين.

وتتضمن الأولويات أيضا جعل الغذاء الصحي أكثر قابلية للتحمل. ويضاف إلى ذلك الحد من الاستهلاك المبالغ فيه وتقليص مستويات الهدر الغذائي.

ويخلص الصديقي إلى أن تقييم أداء القطاع الزراعي يحتاج إلى معايير أوسع من الإنتاج والصادرات. وتشمل هذه المعايير المحافظة على الموارد والقدرة على مواجهة الصدمات والمساهمة في إطعام السكان بشكل مستدام.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts