الصديقي: التكوين المستمر شرط لمواكبة تحولات سوق الشغل بفعل الذكاء الاصطناعي

عبد السلام الصديقي يبرز تحديات الذكاء الاصطناعي على التشغيل، ويدعو إلى تعميم التكوين المستمر وربط استراتيجية المغرب AI 2030 بإحداث وظائف لائقة.
الصديقي: التكوين المستمر شرط لمواكبة تحولات سوق الشغل بفعل الذكاء الاصطناعي

اعتبر عبد السلام الصديقي، الاقتصادي والوزير السابق، أن التكوين المستمر أصبح شرطا أساسيا لمواكبة التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد وسوق الشغل.

وشدد على ضرورة توجيه هذه التكنولوجيا نحو تعزيز الإنتاجية والابتكار، دون السماح لها بتوسيع الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.

وأوضح الصديقي، في مقال حول الذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية، أن تأثير هذه التكنولوجيا لا يقتصر على المهام اليدوية المتكررة. بل يمتد إلى الأنشطة الإدارية والفكرية والمهنية، بعدما أصبحت الأدوات التوليدية قادرة على إنتاج النصوص وتحليل المعطيات والترجمة والبرمجة والمساعدة على اتخاذ القرار.

وأشار الاقتصادي إلى ضرورة التمييز بين أتمتة بعض المهام واختفاء المهن بشكل كامل. فالمهنة الواحدة تضم مهاما قابلة للأتمتة، وأخرى تتطلب الحكم البشري والإبداع والتواصل وتحمل المسؤولية.

وأضاف أن التحول الأكثر احتمالا يتمثل في تغيير مضمون عدد كبير من الوظائف، مع إمكانية اختفاء وظائف معينة وظهور مهن جديدة. كما أشار إلى دراسات منظمة العمل الدولية الصادرة سنة 2025، التي تفيد بأن نحو وظيفة واحدة من كل أربع وظائف عالميا توجد ضمن مهن تتفاوت درجة تعرضها للذكاء الاصطناعي التوليدي.

توزيع مكاسب الإنتاجية يطرح تحديا اجتماعيا

وأكد الصديقي أن التحدي الاقتصادي لا يرتبط فقط بقدرة الذكاء الاصطناعي على تحسين الإنتاجية، بل بكيفية توزيع المكاسب الناتجة عنه. وأوضح أن هذه المكاسب يمكن أن تنعكس على الأجور أو الأسعار أو الأرباح أو تمويل استثمارات جديدة.

غير أنه شدد على أن التكنولوجيا لا تضمن وحدها توزيعا عادلا لهذه المكاسب. إذ يرتبط الأمر بطبيعة المنافسة، والقدرة التفاوضية للأجراء، واختيارات المقاولات والسياسات العمومية.

وفي هذا السياق، دعا إلى توسيع التكوين في مجال الذكاء الاصطناعي ليشمل مختلف الفئات المهنية، بدل حصره في المهندسين والمتخصصين. ويتعلق الأمر بالمدرسين والموظفين والأطر والتقنيين وأجراء المقاولات الصغيرة والمتوسطة.

كما أبرز أهمية إتقان اللغات والتفكير الرياضي والثقافة العلمية ومهارات التحليل والنقد. واعتبر أن انتشار الأدوات القادرة على إنتاج أجوبة سريعة يجعل التحقق من المعلومات واكتشاف الأخطاء وفهم حدود النتائج أكثر أهمية.

التكوين مدى الحياة لمواجهة تقادم المهارات

ولفت الصديقي إلى أن النموذج القائم على اكتساب مؤهل في بداية المسار المهني واستعماله لعقود لم يعد ملائما للتحولات الحالية. لذلك، دعا أنظمة التعليم والتكوين المهني إلى توفير فرص منتظمة لتحيين المعارف وإعادة التأهيل المهني.

كما حذر من تحميل الأجراء وحدهم مسؤولية التكيف مع التغيرات التكنولوجية المتواصلة. ودعا إلى جعل التكوين المستمر حقا فعليا تدعمه المقاولات والسلطات العمومية، حتى لا يتحول التعلم مدى الحياة إلى مصدر إضافي لانعدام الأمن المهني والاقتصادي.

وبخصوص المدرسة والجامعة، أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد على تخصيص التعلمات ودعم المدرسين. لكنه نبه في المقابل إلى مخاطر التخلي المفرط عن المجهود الفكري، داعيا إلى إدماج هذه الأدوات تربويا مع الحفاظ على التفكير المستقل والتحليل والحجاج.

المغرب AI 2030 وأهداف التحول الاقتصادي

وعلى المستوى الوطني، اعتبر الصديقي أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يشكل مكونا من مكونات التحول الإنتاجي وتنمية الرأسمال البشري. ويمكن لهذه التكنولوجيا، بحسبه، تحسين الإنتاجية في قطاعات الصناعة والفلاحة والخدمات والصحة والتعليم والإدارة.

وأوضح أن تحقيق هذه الأهداف يرتبط بتوفر الكفاءات والبنيات التحتية والمعطيات الجيدة والبحث العلمي. كما يتطلب تعزيز قدرة المقاولات، وخاصة الصغيرة والمتوسطة، على اعتماد الحلول التكنولوجية الجديدة.

وتوقف عند خارطة الطريق “المغرب AI 2030”، التي تستهدف المساهمة بـ100 مليار درهم في الناتج الداخلي الإجمالي، وإحداث 50 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، وتكوين أو تأهيل 200 ألف كفاءة في أفق 2030.

وترتكز هذه الخارطة، وفق المقال، على ثلاثة محاور تشمل السيادة والثقة، والابتكار والتنافسية، ثم الأثر والاعتماد والإشعاع. كما تعتمد على الشبكة الوطنية لمعاهد “JAZARI”، الموجهة إلى البحث والمدن الذكية والتعليم والصناعة.

وأشار الصديقي إلى مبادرات أعلن عنها خلال شتنبر 2026، من بينها سوق وطنية للذكاء الاصطناعي ومساعد “Idarati AI” لمواكبة المرتفقين في المساطر الإدارية. كما تطرق إلى التعاون مع شركة “Mistral AI”، الذي أتاح الإعلان عن أدوات مفتوحة المصدر للتعرف على اللهجات العربية وتفريغ الدارجة المغربية.

ست أولويات لإنجاح التحول التكنولوجي

وحدد الاقتصادي ست أولويات لمواكبة التحول، تبدأ بجعل التكوين سياسة أفقية تشمل المدرسة والجامعة والتكوين المهني والمقاولات. كما دعا إلى ربط البحث العلمي بالإنتاج، عبر تعزيز التعاون بين الجامعات والمعاهد والمقاولات والإدارات.

وشملت الأولويات أيضا اعتماد آليات شفافة لقياس القيمة المضافة ومناصب الشغل والكفاءات المكونة. إلى جانب استباق آثار الذكاء الاصطناعي على التشغيل، وتتبع المهن والمهام المتحولة وحاجيات إعادة التأهيل وجودة الوظائف المحدثة.

وأكد الصديقي أهمية حماية المعطيات والأمن السيبراني والشفافية والإشراف البشري، خاصة في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات المرتبطة بالحقوق. كما دعا إلى جعل الإدماج معيارا أساسيا للاستفادة من مكاسب الذكاء الاصطناعي، بما يشمل المقاولات الصغيرة والجهات الأقل تجهيزا والفئات الهشة.

وخلص الاقتصادي إلى أن نجاح “المغرب AI 2030” لا ينبغي أن يقاس بالبنيات التحتية والنماذج المطورة فقط. بل يتعين تقييمه أيضا بمدى إحداث وظائف لائقة وتحسين الإنتاجية والحد من التفاوتات والارتقاء بحياة المواطنين.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts