مشروع ميزانية 2027.. الصديقي يحدد شروط نجاح التوجه الكينزي

يرى عبد السلام الصديقي أن مشروع ميزانية 2027 يحمل عناصر كينزية، لكنه يشدد على أن نجاحه يتوقف على نجاعة الاستثمار العمومي، وأثر التدابير الاجتماعية، ومساهمة القطاع الخاص.
مشروع ميزانية 2027.. الصديقي يحدد شروط نجاح التوجه الكينزي

يرى الاقتصادي والوزير السابق عبد السلام الصديقي أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتضمن مؤشرات تنسجم مع التوجه الكينزي. خصوصا من خلال الاستثمار العمومي ودعم القدرة الشرائية. لكنه يشدد على أن حجم الاعتمادات المالية لا يكفي وحده للحكم على نجاح هذا الاختيار. ما لم يتحول الإنفاق إلى إنتاج وفرص شغل وتحسن ملموس في ظروف العيش.

ويضع الصديقي المشروع في سياق البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، الذي يطمح إلى تحقيق نمو اقتصادي متوسط يبلغ 5 في المائة سنويا. كما يستهدف خفض عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي. وحصر الدين العمومي في حدود 62 في المائة بحلول 2031.

وفي قراءته للمشروع، يعتبر الصديقي أن الاستثمار العمومي والجهد الاجتماعي يمثلان أبرز ملامح التوجه الاقتصادي للميزانية الجديدة. غير أنه يلفت إلى وجود فجوة بين الطموح الحكومي وتوقعات النمو. وذلك بعدما حدد مشروع قانون المالية معدل النمو المنتظر سنة 2027 في 3.7 في المائة.

استثمار عمومي بقيمة 400 مليار درهم

يبرز الصديقي أهمية الغلاف الإجمالي للاستثمار العمومي، الذي يصل إلى 400 مليار درهم سنة 2027، بزيادة قدرها 20 مليار درهم مقارنة بالسنة السابقة. ويميز في هذا السياق بين المبلغ الإجمالي للاستثمار العمومي واعتمادات أداء نفقات الاستثمار المدرجة في الميزانية العامة، التي تناهز 138 مليار درهم.

ويرى الاقتصادي أن مشاريع النقل والماء والطاقة والتجهيزات الجماعية يمكن أن تدعم الطلب خلال مرحلة الإنجاز. كما تستطيع هذه الاستثمارات تحسين شروط الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية، إذا أسهمت في تطوير البنيات التحتية وتهيئة المجال أمام أنشطة اقتصادية جديدة.

لكن الصديقي يحذر من الاكتفاء بالأرقام المعلنة لتقييم مردودية الاستثمار العمومي. ويؤكد أن جودة المشاريع وسرعة تنفيذها وآثارها الاقتصادية والاجتماعية عوامل أساسية لتحديد مدى نجاح الإنفاق.

ويستشهد الكاتب بمعطيات تنفيذ الميزانية إلى نهاية غشت 2026، التي أظهرت أن نفقات الاستثمار الصادر بشأنها أوامر بالصرف بلغت 57.6 في المائة من الاعتمادات المبرمجة، بحسب البيانات التي أوردها في مقاله. ويستنتج من ذلك أن التحدي لا يرتبط بتعبئة الموارد المالية فحسب، بل يشمل أيضا تحويلها إلى مشاريع منجزة.

62 مليار درهم للتدابير الاجتماعية

يضع الصديقي التدابير الاجتماعية في صلب قراءته لمشروع قانون المالية، مشيرا إلى أن الوزير حدد كلفتها الإضافية الإجمالية في 62 مليار درهم. ويرى أن هذه التدابير يمكن أن تدعم القدرة الشرائية للأسر، رغم استمرار الحاجيات الاجتماعية وتفاوت مستويات الدخل.

وتشمل الاعتمادات القطاعية، بحسب الأرقام الواردة في المقال، تخصيص 45.4 مليار درهم لقطاع الصحة، بزيادة قدرها ثلاثة مليارات درهم. كما تصل ميزانية التعليم والتعليم العالي والتكوين إلى 121.3 مليار درهم، بارتفاع قدره 5.3 مليارات درهم مقارنة بسنة 2026.

ويشير الصديقي إلى أن هذه الموارد يفترض أن تدعم العرض الصحي وتحسن المؤسسات التعليمية. غير أن أثرها الفعلي سيظل مرتبطا بكيفية استعمال الاعتمادات، وقدرة المؤسسات العمومية على تحويلها إلى خدمات أفضل للمواطنين.

ويتوقف الكاتب أيضا عند التدابير المرتبطة بالضريبة على الدخل، التي تستهدف إعفاء الأجراء الذين يقل دخلهم الصافي عن 10 آلاف درهم شهريا. ووفق الأرقام التي أوردها، سيشمل الإجراء 87 في المائة من الأجراء، بكلفة مالية تقدر بـ5.5 مليارات درهم سنة 2027.

كما يتناول مشروع رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 1,700 درهم شهريا، لفائدة نحو 500 ألف متقاعد، مع استهداف بلوغ 3,000 درهم في نهاية الولاية الحكومية. ويتطرق كذلك إلى رفع معاشات الأرامل من 50 إلى 100 في المائة من معاش الزوج المتوفى، وفق الشروط المعتمدة.

وفي السياق نفسه، يشير الصديقي إلى الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 600 درهم سنة 2027، مع هدف بلوغ 1,000 درهم بنهاية الولاية الحكومية. كما يذكر تحمل الدولة فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم شهريا، بكلفة سنوية تقدر بـ2.8 مليار درهم، لفائدة نحو ستة ملايين زبون.

ويعتبر الاقتصادي أن هذه التدابير تستهدف دعم المداخيل وحماية الفئات الهشة والحفاظ على الاستهلاك الداخلي. لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين النفقات المباشرة والإعفاءات الضريبية، لأن الأخيرة تعني تخلي الدولة عن تحصيل جزء من الإيرادات.

لماذا يربط الصديقي الميزانية بالفكر الكينزي؟

يستند الصديقي في تحليله إلى مفهوم الطلب الفعلي في الفكر الاقتصادي لجون ماينارد كينز. ويشرح أن تدخل الدولة يمكن أن يساعد على تنشيط الاقتصاد عندما لا يكفي الطلب الخاص لدعم الإنتاج والتشغيل.

ومن هذا المنطلق، يرى أن الاستثمار العمومي يحرك الطلب مباشرة. وقد يشجع الشركات على توسيع استثماراتها. كما تستطيع التحويلات الاجتماعية وتدابير دعم القدرة الشرائية تعزيز استهلاك الأسر، بما يدعم النشاط الاقتصادي.

لكن الكاتب لا يعتبر أن حجم الإنفاق وحده يجعل الميزانية كينزية بالكامل. فهو يربط نجاح هذا التوجه بسرعة إنجاز المشاريع. ومدى اعتمادها على الإنتاج الوطني، وقدرتها على تحسين البنيات التحتية وتحفيز الاستثمار الخاص.

ويحذر أيضا من احتمال توجه جزء من الطلب الإضافي نحو الواردات، ما قد يحد من أثر الإنفاق على الإنتاج الوطني. لذلك يدعو إلى تقييم النتائج الفعلية للميزانية. بدلا من الاكتفاء بمجموع الاعتمادات المرصودة.

التوازنات المالية ودور القطاع الخاص

تظل القيود المالية، وفق الصديقي، عاملا أساسيا في تقييم مشروع قانون المالية. وتقدر الموارد العادية للميزانية العامة بنحو 482 مليار درهم، مقابل نفقات عادية تبلغ 433 مليار درهم، فيما تقترب فوائد الدين العمومي من 46 مليار درهم.

ويشير الاقتصادي إلى أن الحفاظ على عجز قريب من 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي يفرض التوفيق بين تمويل الأولويات الاجتماعية والإنتاجية واستدامة المالية العمومية. ويعتبر أن هذا التوازن يشكل أحد الاختبارات الأساسية أمام الحكومة.

وفي المقابل، يربط الصديقي تحقيق أهداف البرنامج الحكومي بقدرة القطاع الخاص على زيادة مساهمته في الاستثمار الوطني. فالبرنامج يستهدف رفع هذه المساهمة إلى ثلثي الاستثمار، وهو هدف يتطلب، في نظره، استثمارات منتجة وفرص عمل لائقة ومساهمة عادلة في المداخيل العمومية.

وينتقد الكاتب اعتماد بعض الفاعلين الاقتصاديين على البنيات التحتية والتحفيزات والضمانات التي توفرها الدولة، دون مساهمة متناسبة مع الجهد العمومي. ويدعو القطاع الخاص إلى تحمل مسؤولياته الاقتصادية والاجتماعية، من خلال الاستثمار المنتج وخلق فرص العمل.

ويخلص الصديقي إلى أن مشروع ميزانية 2027 يحمل عناصر تنسجم مع التوجه الكينزي، بفضل الجمع بين الاستثمار العمومي والتدابير الاجتماعية. لكنه يعتبر أن نجاح هذا التوجه سيظل رهينا بفعالية التنفيذ، ونجاعة السياسات العمومية، وقدرة القطاع الخاص على مواكبة الجهد الذي تبذله الدولة.

 

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts