حضر التراث الفلاحي المغربي في المنتدى العالمي للأغذية 2026 بروما، من خلال معرض خصص لشجرة الأركان وبذورها وزيتها بمقر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو).
وسلطت هذه المبادرة الضوء على أحد أبرز المكونات الطبيعية والثقافية للمملكة، وعلى المعارف التقليدية المرتبطة باستغلاله وتحويل منتجاته.
وجاء هذا الحضور ضمن المعرض العالمي «من البذور إلى الأغذية»، الذي يتيح للزوار اكتشاف بذور من مناطق مختلفة حول العالم.
ويهدف المعرض إلى إبراز تنوع الموارد الفلاحية وأهميتها في النظم الغذائية، مع التعريف بالتراث الذي راكمته المجتمعات المحلية عبر الأجيال.
واختارت المنظمة شجرة الأركان لتمثيل جانب من هذا التنوع، من خلال عرض بذورها وزيتها داخل فضاء «أتريوم»، الذي يحتضن المعرض الرئيسي للمنتدى. كما تبرز المعروضات ارتباط هذا المنتوج المغربي بممارسات محلية تجمع بين الفلاحة والتغذية والمعارف المتوارثة.
ويكتسب هذا الاختيار دلالة خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها شجرة الأركان في جنوب غرب المغرب. فهي ليست مجرد مصدر لزيت متعدد الاستخدامات، بل جزء من نظام فلاحي وبيئي وثقافي تشكل عبر قرون من التفاعل بين السكان ومحيطهم الطبيعي.
التراث الفلاحي المغربي في واجهة المنتدى
تجسد بذور الأركان المعروضة، إلى جانب اللوحة التعريفية بالتقاليد المرتبطة بالشجرة، جانبا من التراث الحي الذي يميز مناطق انتشارها بالمغرب. كما يسلط المعرض الضوء على أهمية نقل المعارف المحلية المرتبطة بها، والحفاظ عليها لفائدة الأجيال المقبلة.
وتتجاوز أهمية زيت الأركان استعمالاته الغذائية، إذ يدخل أيضا في مجالات التجميل وبعض الاستخدامات الصيدلانية والتقليدية. وقد أسهمت هذه الاستخدامات المتعددة في تعزيز مكانته باعتباره منتوجا مغربيا معروفا، يرتبط إنتاجه بمعارف متوارثة وممارسات محلية.
ولا تنفصل هذه القيمة عن دور المجتمعات المحلية في المحافظة على شجرة الأركان واستغلال مواردها. فقد طورت هذه المجتمعات، على مدى قرون، أساليب للإنتاج والتدبير تتلاءم مع الظروف البيئية الصعبة، بما فيها الجفاف وندرة المياه وضعف خصوبة التربة.
ويجمع النظام المرتبط بالأركان بين زراعة الأشجار واستغلال الأراضي الزراعية وتربية الماشية. ويساعد هذا التكامل على تنويع الموارد المحلية، مع الحفاظ على الصلة بين النشاط الفلاحي والتنوع البيولوجي والمعارف التقليدية.
مطحنة حجرية مغربية ضمن متحف الفاو
لم يقتصر الحضور المغربي في مقر المنظمة على عرض الأركان ومنتجاته، بل امتد إلى إبراز أدوات تقليدية ارتبطت بتحويل المواد الفلاحية. ويشمل ذلك «رحى» قديمة، وهي مطحنة حجرية تقليدية تستخدم لطحن الحبوب وغيرها من المنتجات.
وتعرض هذه الأداة بشكل دائم في متحف وشبكة الأغذية والزراعة التابعين للمنظمة، المعروفين اختصارا باسم «FAO MuNe». ويعكس وجودها داخل هذا الفضاء اهتماما بالتقنيات التقليدية التي اعتمدتها المجتمعات في معالجة الأغذية وتحويل المنتجات الزراعية.
كما تقدم الرحى صورة عن جانب من الخبرات العملية التي راكمها المغاربة في مجال الإنتاج الغذائي. وتكشف هذه الأدوات كيف ارتبطت الممارسات اليومية بالموارد المحلية، قبل انتشار وسائل التصنيع الحديثة.
ويعزز عرض هذه الأداة، إلى جانب بذور الأركان وزيته، حضور التراث الفلاحي المغربي داخل فضاء دولي مخصص لقضايا الغذاء والزراعة. كما يتيح للزوار التعرف على جوانب من الثقافة المادية المرتبطة بالإنتاج الفلاحي، وليس فقط على المنتجات النهائية.
اعتراف دولي بالنظام الفلاحي المرتبط بالأركان
يحظى النظام الفلاحي المرتبط بشجرة الأركان باعتراف دولي من منظمة الأغذية والزراعة. ففي دجنبر 2018، اعترفت المنظمة بالنظام الزراعي الحرجي والرعوي القائم على الأركان في منطقة آيت صواب–آيت منصور بالمغرب، باعتباره أحد نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية، المعروفة اختصارا باسم «GIAHS».
ويستند هذا الاعتراف إلى خصوصية نظام محلي يجمع بين الأشجار والأنشطة الزراعية والرعوية، ويعتمد ممارسات تكيفت مع ظروف الجفاف وندرة المياه. كما يبرز أهمية المعارف التي طورتها المجتمعات المحلية للحفاظ على الموارد الطبيعية واستمرار النشاط الفلاحي.
ويمثل هذا النظام نموذجا للعلاقة بين التراث الزراعي والتنوع البيولوجي وسبل العيش في المناطق القاحلة وشبه القاحلة. فشجرة الأركان توفر موارد اقتصادية وغذائية، بينما تساهم الممارسات المرتبطة بها في صون المشهد الطبيعي واستمرار الأنشطة المحلية.
وتعزز الاعتراف الدولي بهذا التراث سنة 2021، عندما أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 10 ماي من كل سنة يوما دوليا لشجرة الأركان. وجاء القرار بمبادرة مغربية، بدعم من 113 دولة، للاحتفاء بأهمية هذه الشجرة وأبعادها البيئية والاجتماعية والاقتصادية.
ويضع حضور الأركان والرحى المغربية في المنتدى العالمي للأغذية هذا التراث ضمن نقاش دولي أوسع حول مستقبل النظم الغذائية. كما يسلط الضوء على أهمية صون المعارف التقليدية والموارد المحلية، باعتبارها عناصر تسهم في استدامة الإنتاج الفلاحي والحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمعات.