عاد ملف اختفاء كليمان بيسنفيل في المغرب إلى الواجهة من جديد، بعدما أعلن وكيل الجمهورية في ميلون، السبت 4 أبريل 2026، فتح معلومات قضائية بتهمة الاختطاف والاحتجاز. هذا التطور الجديد أعاد قضية الشاب الفرنسي إلى صدارة المتابعة، بعد نحو عامين من اختفائه في الرباط في ظروف لا تزال غامضة إلى اليوم.
وأوضح وكيل الجمهورية جان ميشال بورليس، في تصريح لوكالة فرانس برس، أن فتح هذا المسار القضائي جاء بعد شكاية تقدّم بها والدا الشاب إلى عميدة قضاة التحقيق بمحكمة ميلون. ويعني ذلك أن الأسرة دفعت الملف إلى مرحلة قضائية جديدة في فرنسا، في وقت لا تزال فيه المعطيات المنشورة محدودة، ولا تقدّم جوابا حاسما عن مصير كليمان بيسنفيل.
القضية تحمل أيضا بعدا إنسانيا ثقيلا على الأسرة. والد كليمان، ديدييه بيسنفيل، قال لوكالة فرانس برس إن استمرار اهتمام القضاء الفرنسي بالملف “أمر جيد”. لكنه عبّر في الآن نفسه عن قلق كبير، بعد مرور عامين على اختفاء ابنه من دون أي توضيح نهائي أو مؤكد. هذا الجانب العائلي يرافق الملف منذ بدايته، ويكشف حجم الضغط النفسي الذي تعيشه الأسرة مع استمرار الغموض.
اختفاء كليمان بيسنفيل في المغرب
بحسب المعطيات المتوفرة، كان كليمان بيسنفيل يبلغ 29 سنة وقت اختفائه. وكان يحمل أيضا الجنسية الإسبانية. واستقر الشاب في بداية سنة 2024 داخل شقة قريبة من البحر في الرباط، حيث كان يخطط لبدء مشروع مهني جديد. وتشير المعلومات نفسها إلى أنه كان يعتزم فتح مطعم بيتزا، وكان من المفترض أن يوقّع عقد كراء يوم 15 أبريل، قبل أن ينقطع أي تواصل معه قبيل ذلك التاريخ.
اختفاء الشاب لم يثر القلق داخل أسرته فقط، بل فتح منذ البداية مسارا إجرائيا بين فرنسا والمغرب. فبعدما فقد أقاربه الاتصال به، أعلنوا اختفاءه رسميا يوم 25 أبريل لدى الدرك في سيلي-أون-بيير في إقليم سين-إي-مارن بفرنسا. وبعد ذلك، انتقل الملف إلى السلطات الفرنسية، ثم وصل إلى السلطات المغربية لمتابعة الأبحاث على الأرض.
المعطى الأبرز في هذه المرحلة جاء من مسؤول في الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بالرباط. فقد أكّد لأسرة الشاب أن كليمان اختفى في حدود الساعة العاشرة والنصف ليلا من يوم 10 أبريل، وأن البحث لا يزال متواصلا. هذا التوقيت يعطي للقضية نقطة زمنية دقيقة، لكنه لا يقدّم إلى الآن أي تفسير نهائي لما وقع بعد تلك اللحظة.
ماذا عثرت عليه الشرطة في شقة الرباط؟
أحد أكثر عناصر الملف إثارة للانتباه يوجد داخل الشقة التي كان يقيم فيها الشاب في الرباط. فبحسب ما نقل عن التحقيق، عثرت المصالح المعنية على كل أغراضه الشخصية في المكان. وتشمل هذه الأغراض وثائق هويته، وحاسوبه، وهاتفه، ومبلغا نقديا، ثم نظاراته. وجود هذه الممتلكات كلها داخل الشقة جعل القضية أكثر غموضا، لأن أي أثر منشور حتى الآن لم يوضح كيف خرج الشاب أو إلى أين توجّه بعد ذلك.
هذا التفصيل لا يحسم في أي فرضية، لكنه يفسّر لماذا لا يزال الملف مفتوحا على أكثر من احتمال. فالمعطيات المتاحة حاليا لا تتحدث عن مغادرة عادية موثقة، ولا تتضمن أيضا أي إعلان رسمي عن العثور عليه. لذلك بقيت القضية في منطقة رمادية، بين بحث ميداني في المغرب ومسار قضائي يتوسع في فرنسا.
وخلال الأسبوع الذي سبق فتح المعلومات القضائية الجديدة، انتقل والدا كليمان إلى الرباط، وفق ما أوردته وكالة فرانس برس. وقال والده إنهما التقيا أحد مسؤولي الشرطة، الذي أكد لهما أن البحث لا يزال مستمرا، وأن جميع الفرضيات ما زالت مطروحة. هذا التصريح يبيّن أن القضية لم تغلق من الجانب المغربي، وأن السلطات لا تزال تتعامل معها بوصفها ملفا مفتوحا.
شكاية الأسرة تدفع الملف إلى مرحلة جديدة
التحرك الجديد للأسرة في فرنسا يبدو اليوم نقطة مفصلية في القضية. فالشكاية التي وضعت لدى عميدة قضاة التحقيق دفعت النيابة العامة في ميلون إلى فتح معلومات قضائية بتهمتي الاختطاف والاحتجاز. هذا التطور لا يقدّم جوابا نهائيا عن مكان كليمان بيسنفيل، لكنه يؤكد أن الملف انتقل إلى مستوى أعلى من التدقيق القضائي، بعد أشهر طويلة من الانتظار والتساؤلات.
ويكتسي هذا المستجد أهمية خاصة لأنه جاء بعد تطور آخر سبق أن عرفته القضية. ففي دجنبر 2025، فُتحت أيضا متابعة من طرف النيابة العامة الفرنسية المختصة بقضايا الإرهاب.
حتى الآن، لا توجد معطيات منشورة تؤكد ما إذا كانت التحقيقات قد أفرزت خيطا حاسما. كما لا توجد معلومات رسمية جديدة عن مصير الشاب، أو عن احتمال ظهوره في مكان آخر، أو عن توقيف مشتبه فيهم على صلة بالملف. وهذا ما يجعل اختفاء كليمان بيسنفيل في المغرب قضية مفتوحة على أسئلة كثيرة، فيما تبقى الأسرة معلقة بين الأمل والقلق.
القضية اليوم تقف عند تقاطع مسارين واضحين. الأول أمني وتحقيقي في المغرب، حيث تقول السلطات إن البحث ما زال جاريا. والثاني قضائي في فرنسا، حيث قررت النيابة العامة في ميلون فتح معلومات قضائية جديدة بعد شكاية الأسرة. وبين المسارين، يبقى العنصر الأهم غائبا: ما الذي وقع للشاب الفرنسي في الرباط ليلة 10 أبريل 2024؟
إلى أن تظهر معطيات رسمية جديدة، سيظل هذا السؤال في قلب الملف. كما سيظل اختفاء كليمان بيسنفيل في المغرب من القضايا التي تجمع بين الغموض القضائي والوجع الإنساني، في انتظار ما قد تكشفه التحقيقات المقبلة في فرنسا والمغرب.