انطلقت صباح اليوم الثلاثاء بتكنوبوليس – سلا، أول مناظرة وطنية حول الذكاء الاصطناعي، تحت شعار متفائل : “استراتيجية فعالة وأخلاقية للذكاء الاصطناعي في خدمة مجتمعنا“. وفي الوقت الذي كان يفترض أن يكون هذا اللقاء لحظة تحول في مسار الرقمنة بالمغرب. بدا، في نظر كثيرين، أقرب إلى عرض مسرحي بلاغي منه إلى ورشة عمل حقيقية ترسم معالم مستقبل رقمي واضح المعالم.
افتتاحية مملّة
افتتح رئيس الحكومة المناظرة بكلمة إنشائية مطولة، يمكن اختزالها في جملة واحدة: نحن واعون بأهمية الذكاء الاصطناعي، وسنقوم بشيء ما في يوم ما.
المتدخلون من وزراء ومسؤولين وحتى منشطين كانت كلماتهم محسوبة بعناية، موزعة بين لغات الأرض: العربية الفصحى للهيبة، الفرنسية للأناقة، الإنجليزية لإثبات أننا “قاريين”، والأمازيغية لإظهار شمولية الخطاب الوطني. وبدا أن إقحام كل هذه اللغات لا يهدف إلا إلى التجميل الخارجي، على طريقة صالون تجميل رقمي، دون مضمون واضح.
وكانت كلمات المتدخلين من آمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، و ليلى بنعلي وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، إلى المتزلف يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، مرورا بوزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة ورئيس الباطرونا، شكيب لعلج، مليئة بالمصطلحات الطنّانة: soft skills، task skills، data governance، accountability، trusted AI… حتى أنك قد تظن، لوهلة، أنك في مؤتمر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، لا في بلد ما يزال يواجه تحديات مثل رقمنة الحالة المدنية أو أرشفة الوثائق الورقية.
مناظرة أم كبسولة ترويجية؟
كانت المناظرة، من حيث الشكل، أنيقة: شاشات ضخمة، تصميم عصري، حضور رسمي كثيف، ووجوه مبتسمة أمام عدسات الكاميرات. لكن من حيث الجوهر، بدت أشبه بكبسولة ترويجية مصقولة أكثر منها ورشة تفكير فعلي. كل متدخل بدا وكأنه يقرأ من ورقة أُعدّت سلفاً على عجل، مليئة بالتنميق البلاغي الخالي من التفاصيل. كوكتيل لفظي ومزيج من الإنجليزية المصطنعة anglicisme، و”كوبييه-كولي” من تقارير البنك الدولي، و”كليشيهات” عن المغرب الرقمي، و”التحول الذكي”، و”المواطنة الرقمية”. لكن في النهاية، لم نعرف: ما هي خارطة الطريق؟ من سينفذ؟ بأي ميزانية؟ وفق أي جدول زمني؟
كأس العالم .. بكل الصلصات
في محاولة واضحة لربط المناظرة بالحدث الكبير المقبل – تنظيم المغرب كأس العالم 2030 – تكررت عبارات من قبيل: الذكاء الاصطناعي سيكون في خدمة التنظيم المشترك، الذكاء الاصطناعي من أجل السياحة الذكية…
لكن لا أحد أجاب على السؤال الجوهري: هل نملك أصلاً البنية التحتية الرقمية الكافية لتوظيف AI في المونديال؟ هل ستتمكن شركات النقل من إدارة الحشود باستخدام الخوارزميات؟ هل سيستطيع المواطن حجز تذاكره بذكاء دون أن يُطلب منه الحضور شخصياً لتأكيد هويته؟
مرة أخرى، تم بيع الوهم بشكل أنيق، دون سند واقعي. وفي المقابل غابت الإشكالات الحقيقية والأسئلة الحارقة : ما أثر الأتمتة على سوق الشغل؟ هل تمت إثارة مسألة التحيزات الخوارزمية، أو التهديدات الأمنية، أو مخاطر المراقبة الجماعية؟ لا. كان الخطاب مفرطاً في التفاؤل، أشبه بإشهار منتوج جديد، لا ورشة وطنية لبلورة سياسة عمومية مسؤولة.
غياب المحاسبة والمعايير
المناظرة لم تتحدث عن المساءلة. لا معيار واضح لتقييم التقدم. لا آلية واضحة للمراقبة. لا ضمانات لحماية المواطن من قرارات آلية. تم الحديث عن “الثقة الرقمية”، لكن الثقة لا تُبنى بالبلاغة، بل بالقوانين، بالشفافية، وبالأثر الملموس. من سيدير البيانات؟ كيف ستُحفظ؟ من يملك الحق في استخدامها؟ ما هي المعايير الأخلاقية؟ كل هذه الأسئلة طُمرت تحت جبل من الكلمات الرنانة.
ما الذي تحقق فعلاً؟
لقد بدت المناظرة الوطنية الأولى حول الذكاء الاصطناعي فرصة ضائعة. ومناسبة تم تغليفها بشكل أنيق، لكنها فارغة من العمق. إذ ظهر الحدث أقرب إلى عرض تقديمي PowerPoint أمام مستثمرين، وليس نقاشاً وطنياً حقيقياً حول مستقبلنا الرقمي.
نحن لا نحتاج إلى خطب مزركشة بلغات متعددة، بل إلى خريطة طريق بلغة واحدة: لغة الفعل. الذكاء الاصطناعي ليس موضة لغوية، بل تحول هيكلي يقتضي وضوح الرؤية، والجرأة في النقاش، واستثماراً جدياً في التعليم، والبحث، والمواطنة الرقمية. فإذا أراد المغرب فعلاً أن يكون فاعلاً في عالم الذكاء الاصطناعي، فعليه أولاً أن يخرج من دائرة البلاغة الاصطناعية إلى الواقع الذكي.