الانتخابات المهنية لهيئة المحامين بالدار البيضاء: بين شرعية الانتخاب، وإكراهات القانون الجديد، وضرورات الحكمة المهنية:

الانتخابات المهنية لهيئة المحامين بالدار البيضاء
ذ/ عبد اللطيف أيت بوجبير

ذ/ عبد اللطيف أيت بوجبير

تأتي الانتخابات المهنية لهيئة المحامين بالدار البيضاء برسم الولاية 2027/2029 في سياق استثنائي، تتداخل فيه رهانات الاختيار الديمقراطي مع التحولات التي جاء بها القانون الجديد المنظم للمهنة، وما رافقه من نقاش واعتراض داخل الجسم المهني، فضلا عن أسئلة جوهرية تتعلق بتركيبة مجلس الهيئة، والتوازن بين التجديد والاستمرارية، وبين التمثيلية والخبرة، وبين شرعية الانتخاب وضرورات الحكمة في تدبير الشأن المهني.

فنحن أمام استحقاق لا يقتصر على انتخاب نقيب وأعضاء مجلس جديد، بل يشكل مناسبة لإعادة التفكير في صورة المؤسسة المهنية التي نريدها، وفي شروط صيانة استقلالها، وتحصين مكتسباتها، وضمان استمراريتها وفعاليتها.

أولا: انتخابات في ظل قانون جديد وسياق مهني حساس:

تتميز انتخابات الولاية 2027/2029 بتعدد المرشحين لمنصب النقيب، إذ يبلغ عددهم أحد عشر مرشحا، من بينهم امرأة واحدة، بما يعكس تعدد الاختيارات والتصورات المطروحة أمام الهيئة.

غير أن خصوصية هذا الاستحقاق لا تكمن في تعدد المرشحين وحده، بل في السياق القانوني والمؤسساتي الذي تجري فيه الانتخابات، وما أحدثه القانون الجديد من تحولات في تنظيم الهيئة وتركيبة مجلسها، وما أثاره من نقاش حول التمثيلية المهنية وضمان حضور الكفاءات والخبرات.

إن إجراء الانتخابات وفق قانون نافذ لا يعني بالضرورة تبني جميع مقتضياته أو التخلي عن الحق في مناقشتها والمطالبة بمراجعتها، كما أن الاعتراض على بعض مقتضياته لا يلغي ضرورة تدبير الاستحقاقات المهنية بما يحفظ انتظام المؤسسة واستمراريتها.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في الجمع بين احترام الشرعية القانونية، وصيانة حرية الاختيار، واستمرار النقاش المسؤول حول مستقبل المهنة.

ثانيا: شرعية الانتخاب لا تختزل في إعلان النتائج:

تظل الانتخابات آلية أساسية لتجديد الشرعية التمثيلية داخل الهيئة، غير أن هذه الشرعية لا ينبغي أن تختزل في مجرد نتيجة رقمية، بل تتعزز بالمشاركة الواسعة، وحرية الاختيار، واحترام إرادة الناخبين.

وتكتسي نسبة المشاركة أهمية خاصة في ظل المقتضى الذي يتيح الاكتفاء بدورة انتخابية واحدة متى تجاوزت المشاركة العتبة القانونية المحددة، وفق المعطيات المتعلقة بتنظيم هذا الاستحقاق.

فكلما اتسعت المشاركة، تعززت دلالة الاختيار الجماعي، وتوسعت قاعدة الثقة داخل الجسم المهني. ومع ذلك، تظل الشرعية القانونية قائمة وفق شروطها، بينما تتعزز الشرعية المهنية بمدى انخراط المحامين في الشأن الجماعي، وشعورهم بأن المؤسسة تمثلهم وتستجيب لانشغالاتهم.

فالنقيب المنتخب لا يتولى مسؤولية اتجاه من انتخبوه وحدهم، وإنما اتجاه الهيئة برمتها، ومجلس الهيئة ليس امتدادا لفئة انتخابية بعينها، بل مؤسسة يفترض أن تعمل لمصلحة جميع المحامين، باختلاف أجيالهم وتصوراتهم.

لذلك، فإن الرهان لا ينتهي بإعلان النتائج، بل يبدأ منه: كيف تتحول المنافسة الانتخابية إلى تعاقد مهني جديد؟ وكيف تنتقل البرامج من مستوى الشعارات إلى الالتزامات القابلة للتنفيذ والتقييم؟

إن نجاح الانتخابات لا يقاس فقط بمن فاز فيها، بل أيضا بقدرة المؤسسة على استعادة وحدتها، وتعزيز الثقة بين مكوناتها، وتحويل الاختلاف الانتخابي إلى مصدر قوة في تدبير الشأن المهني.

ثالثا: مجلس الهيئة بين التمثيلية والتجربة المهنية

إن تركيبة مجلس الهيئة ليست مجرد مسألة عددية أو توزيع للمقاعد، بل هي تعبير عن فلسفة تدبير المؤسسة المهنية، وعن التوازن المطلوب بين التجديد والاستمرارية، وبين حيوية الأجيال الجديدة ورصيد التجارب المتراكمة.

فتمثيلية الشباب والزميلات داخل المؤسسات المهنية تتيح تجديد الأفكار، واستحضار انشغالات مختلف مكونات الجسم المهني، وتطوير أساليب التدبير والتواصل. غير أن التجديد لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة مع الذاكرة المهنية، كما أن الاستفادة من الخبرة لا ينبغي أن تكون ذريعة لإغلاق المؤسسات أمام الكفاءات الجديدة.

وفي هذا السياق، يثار تساؤل مشروع حول غياب تمثيلية مخصصة للنقباء السابقين، بالنظر إلى ما راكموه من تجارب في تدبير الهيئة، ومعالجة أزماتها، والدفاع عن استقلال المهنة ومكتسباتها.

فالنقيب السابق ليس مجرد مسؤول انتهت ولايته، بل محام راكم تجربة مؤسساتية قد تشكل قيمة مضافة في معالجة الملفات الكبرى، وتدبير الأزمات، واستشراف آثار القرارات المهنية.

ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى امتياز انتخابي دائم لفئة بعينها، أو إلى إعادة إنتاج صيغ سابقة، وإنما بالتفكير في آليات تتيح الاستفادة من الخبرة المتراكمة، دون المساس بالشرعية الانتخابية أو بالمقتضيات القانونية المنظمة للمجلس.

رابعا: السنوات العشر الأولى.. مرحلة بناء لا ينبغي إغفال خصوصيتها:

تمثل السنوات العشر الأولى من المسار المهني، في الغالب، مرحلة حاسمة في بناء الممارسة المهنية، واكتساب الخبرة، وتأسيس قاعدة الزبناء، وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار المادي والاجتماعي.

وهي مرحلة تتطلب وقتا وجهدا وتفرغا، بما يجعل الانخراط في تدبير شؤون الهيئة، رغم أهميته، مسؤولية قد تفرض أعباء إضافية على المحامي المبتدئ، وتؤثر في مساره المهني.

ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى إقصاء الشباب من المسؤولية، أو التشكيك في كفاءاتهم، وإنما بضرورة مراعاة خصوصية هذه المرحلة، وتحقيق التوازن بين المشاركة المؤسساتية ومتطلبات بناء المستقبل المهني.

فالخبرة لا تقاس حصرا بعدد سنوات الممارسة، كما أن الكفاءة لا ترتبط بالسن أو الأقدمية وحدهما. والمطلوب هو صيغة تتيح لكل جيل أن يسهم بما يملكه من إمكانات، مع مراعاة طبيعة المسؤوليات وشروط التفرغ والاستقرار المهني.

ومن ثم، فإن فتح نقاش مهني حول معايير الأقدمية والتجربة في بعض المسؤوليات يظل أمرا مشروعا، شريطة احترام المساواة في الحقوق الانتخابية والمقتضيات القانونية النافذة.

خامسا: لجنة حكماء تضم النقباء السابقين.. نحو استثمار الذاكرة المهنية:

إذا كانت تركيبة المجلس تخضع للمقتضيات القانونية المنظمة، فإن ذلك لا يمنع التفكير في آليات مؤسساتية موازية للاستشارة وتبادل الخبرات.

ومن بين المقترحات التي تستحق الدراسة إحداث لجنة حكماء تضم النقباء السابقين لهيئة المحامين بالدار البيضاء، تتولى تقديم الرأي والمشورة عند الحاجة، ولا سيما في القضايا المهنية الكبرى، والملفات الاستراتيجية، والأزمات التي تستدعي استحضار التجارب السابقة.

ويمكن أن تشكل هذه اللجنة إطارا استشاريا يحفظ الذاكرة المهنية، ويتيح للمجلس المنتخب الاستفادة من الرصيد المؤسساتي للنقباء السابقين، دون أن تتحول إلى مؤسسة موازية أو سلطة منافسة له.

فالمجلس يحتفظ بكامل صلاحياته ومسؤولياته، بينما توفر اللجنة، عند طلب رأيها، فضاءً لتبادل الخبرات ومناقشة الخيارات التي تستدعي قدرا أكبر من التبصر.

إن قيمة هذه المبادرة لا تكمن في إعادة النقباء السابقين إلى مواقع المسؤولية التنفيذية، وإنما في تحويل تجربتهم إلى رصيد مشترك تستفيد منه المؤسسة.

فالحكمة المهنية لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء الولاية، كما أن التجديد المؤسساتي لا ينبغي أن يعني إهدار ما راكمته الهيئة من تجارب.

سادسا: نحو تعاقد مهني يتجاوز لحظة الانتخابات:

إن تعدد المرشحين وتنوع البرامج والتصورات يمثلان مناسبة لطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الهيئة، وفي مقدمتها استقلال المهنة، وحصانة الدفاع، وكرامة المحامي، وتحسين شروط الممارسة، وتطوير الخدمات المهنية، وتعزيز الحكامة والتواصل.

غير أن المرحلة تقتضي تجاوز منطق المنافسة الذي ينتهي بانتهاء التصويت، نحو منطق المسؤولية الجماعية الذي يبدأ مباشرة بعد إعلان النتائج.

فالمرشح الذي لم يحظ بثقة الأغلبية يظل زميلا له مكانته المهنية وحقه في المساهمة في النقاش، والمجلس المنتخب مطالب بأن يتعامل مع جميع مكونات الجسم المهني باعتبارها جزءاً من نسيج واحد.

كما أن البرامج الانتخابية ينبغي أن تتجاوز الشعارات العامة إلى تصورات عملية، محددة الأولويات، قابلة للتنفيذ والتقييم، تستحضر الإمكانات المتاحة والقيود القانونية والمالية.

فالمحاماة ليست مجرد ممارسة فردية لمهنة حرة، بل رسالة جماعية ومؤسسة مهنية لا تحافظ على قوتها إلا بقدر ما تنجح في تنظيم اختلافاتها، وتدبير شؤونها بروح المسؤولية، والدفاع عن استقلالها في إطار من التضامن والوعي المشترك.

خاتمة: بين حق الاختيار وواجب الحكمة:

إن انتخابات هيئة المحامين بالدار البيضاء للولاية 2027/2029 ليست مجرد استحقاق دوري لتجديد المسؤوليات، بل مناسبة لإعادة التفكير في طبيعة المؤسسة المهنية التي نريدها، وفي العلاقة بين الشرعية الانتخابية والفعالية المؤسساتية، وبين التجديد والحفاظ على الذاكرة المهنية.

فالشرعية الانتخابية أساس لا غنى عنه لتولي المسؤولية، لكنها تكتسب قيمتها العملية من حسن تدبير ما بعدها. والقانون ينظم المؤسسات ويحدد صلاحياتها، لكن نجاحها يظل رهينا بقدرتها على استيعاب حاجات أعضائها وتطوير آليات عملها. أما الخبرة المهنية، فهي رصيد لا ينبغي التفريط فيه، كما لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإغلاق أبواب التجديد أمام الكفاءات الجديدة.

ولعل الرهان الحقيقي لهذه الولاية يتمثل في بناء توازن مؤسساتي يجمع بين إرادة المحامين التي تعبر عنها صناديق الاقتراع، ومقتضيات القانون الذي يؤطر عمل الهيئة، وحكمة التجربة التي تساعد على استشراف العواقب وتجنب الأخطاء.

فهيئة قوية لا تبنى بالانتخاب وحده، ولا بالتجربة وحدها، ولا بالنصوص وحدها، وإنما بتكامل الشرعية، والكفاءة، والحكمة، وروح المسؤولية الجماعية.

إن المطلوب ليس الاختيار بين جيل وآخر، ولا بين التجديد والاستمرارية، بل بناء مؤسسة تتسع للجميع، وتستفيد من الجميع، وتضع مصلحة المحاماة فوق كل اعتبار.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts