آمنة بوعياش تحذر من تحولات عميقة تختبر أسس القانون الدولي لحقوق الإنسان

آمنة بوعياش تحذر من تحولات عميقة تختبر أسس القانون الدولي لحقوق الإنسان

حذرت آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، من أن العالم يمر اليوم بمرحلة دقيقة تضع أسس القانون الدولي لحقوق الإنسان أمام اختبارات غير مسبوقة.

وجاء هذا التحذير، الثلاثاء 31 مارس 2026، في قصر الأمم بجنيف، خلال الاجتماع السنوي للتحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، في أول جمعية عامة تقودها بوعياش بصفتها رئيسة للتحالف.

وتشغل بوعياش حاليا رئاسة التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. إلى جانب رئاستها المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب. فيما ينعقد الاجتماع السنوي للتحالف في جنيف من 30 مارس إلى 1 أبريل 2026.

بوعياش وضعت المضمون الحقوقي في قلب كلمتها منذ البداية. وقالت إن العالم يعيش “مرحلة تحول عميق”، وإن أزمة الحقوق تتسع في سياق دولي يتسم بتعدد الأزمات وتعقد التحديات المرتبطة بحماية الحقوق والحريات.

بهذا المعنى، لم تتحدث عن ضغط ظرفي عابر. بل عن مناخ عالمي يختبر فعليا قدرة المنظومة الدولية على حماية ما راكمته البشرية في هذا المجال.

حقوق الإنسان في لحظة دولية صعبة

في كلمتها الافتتاحية، شددت بوعياش على أن النظام متعدد الأطراف، القائم على الأمم المتحدة ومرتكزاته، يواجه اليوم تحديات مباشرة تمس جوهر القيم التي بُنيت عبر عقود من العمل الدولي المشترك.

وأشارت إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الدولي لحقوق الإنسان لم يعودا بمنأى عن الضغوط التي تفرضها التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

هذا التشخيص يعطي لخطاب بوعياش بعدا سياسيا وحقوقيا في آن واحد. فهي لا تتحدث فقط عن انتهاكات هنا أو هناك، بل عن بيئة دولية باتت أقل قدرة على إنتاج الإجماع، وأضعف استعدادا للدفاع الجماعي عن القواعد المشتركة التي قامت عليها منظومة الحماية الدولية.

الاستقطاب يضغط على التعاون متعدد الأطراف

واحدة من أبرز النقاط التي توقفت عندها رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان تتعلق بالاستقطاب الجيوسياسي.

بوعياش اعتبرت أن هذا الاستقطاب صار عاملا رئيسيا في إضعاف التعاون متعدد الأطراف. وهو ما ينعكس مباشرة على فعالية آليات الحماية الأممية، وعلى قدرة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان على التحرك في بيئة دولية أكثر تعقيدا.

وربطت المتحدثة هذا الوضع بتقلص الفضاء المدني في عدد من المناطق. وتزايد الهجمات التي تستهدف استقلالية المؤسسات، إلى جانب الصعوبات التي تواجهها هذه الهيئات في الولوج إلى آليات الأمم المتحدة.

وهذه الإشارات تعكس انشغالا واضحا ليس فقط بمصير الحقوق، بل أيضا بمصير الأدوات التي يفترض أن تحميها وتدافع عنها.

أزمات متصاعدة في كل المناطق

بوعياش رسمت صورة عالمية واسعة للأزمة. وقالت إن مختلف مناطق العالم تشهد أوضاعا متصاعدة، سواء في إفريقيا أو الشرق الأوسط أو أوروبا أو آسيا أو الأمريكيتين.

وفي هذا السياق، عبرت عن الأسف لما وصفته بالانتهاكات الجسيمة المسجلة. في ظل تراجع دور آليات الحماية الدولية وتهميش القواعد الأساسية للقانون الدولي.

هذا الامتداد الجغرافي في الخطاب لم يكن تفصيلا عابرا. بل حمل رسالة واضحة مفادها أن أزمة حقوق الإنسان لم تعد محصورة في بؤر معزولة. بل صارت جزءا من مشهد عالمي أوسع، يتسم بتراجع الثقة في القواعد المشتركة، وبتزايد منطق القوة على حساب منطق الالتزام.

المؤسسات الوطنية في قلب المواجهة

ورغم هذا التشخيص القاتم، لم تقدم بوعياش صورة استسلامية. بل أكدت أن المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان تواصل أداء مهامها حتى في مناطق الأزمات.

وأوضحت أن هذه المؤسسات تواصل توثيق الانتهاكات. والدفاع عن الحقوق. ومواكبة الضحايا، والعمل من أجل إبقاء المبادئ الحقوقية حاضرة داخل النقاش العمومي وفي مواجهة الضغوط السياسية والأمنية.

هذا الجزء من الخطاب يبدو مركزيا في الرسالة العامة التي أرادت بوعياش تمريرها. فالمؤسسات الوطنية، في نظرها، لا تتحرك على هامش الأزمات. بل تصبح أدوارها أكبر كلما اشتد الضغط على الحقوق والحريات.

ولهذا جاء تأكيدها على أن اللقاء المنعقد بجنيف يعكس التزاما جماعيا متجددا بمواصلة العمل من أجل حماية حقوق الإنسان والنهوض بها عالميا.

أول جمعية عامة بقيادة مغربية

يحمل هذا الاجتماع أيضا بعدا مؤسساتيا واضحا للمغرب. فبوعياش تترأس التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. وهو إطار دولي يجمع المؤسسات الوطنية من مختلف مناطق العالم. ويعقد اجتماعه السنوي في جنيف بشراكة مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.

كما أن برنامج اجتماع 2026 يتضمن الجمعية العامة، واجتماعات المكتب، وتبادلات المعرفة، والندوة السنوية.

ويعني ذلك أن الكلمة التي ألقتها رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان لم تكن مجرد تدخل بروتوكولي في لقاء عادي، بل جاءت في قلب محطة مؤسساتية دولية كبرى، وفي لحظة تتولى فيها مسؤولة مغربية رئاسة هذا التحالف العالمي.

هذا المعطى يمنح الخطاب وزنا إضافيا، لأنه يصدر من موقع قيادة لا من موقع مشاركة فقط.

في المحصلة، حملت كلمة آمنة بوعياش في جنيف رسالة مزدوجة. الرسالة الأولى تحذيرية، وتقول إن العالم يمر بمرحلة تهدد قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان. وتضعها تحت ضغط غير مسبوق.

أما الرسالة الثانية، فهي دعوة إلى التماسك والعمل المشترك. وإلى عدم ترك الأزمات تفرغ المنظومة الحقوقية الدولية من مضمونها.

وبين التحذير والدعوة إلى الفعل. بدا واضحا أن بوعياش اختارت أن تبدأ ولايتها على رأس التحالف العالمي بنبرة صريحة: دور المؤسسات الوطنية يصبح أكبر عندما يشتد الخطر على الحقوق.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts