قدم الدكتور المصطفى قاسمي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، ورئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، قراءة في تداعيات الفيتو الروسي داخل مجلس الأمن على قضية الصحراء المغربية.
وتوقف قاسمي عند التطورات التي شهدها المجلس يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، بعدما استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع قرار أمريكي بشأن تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو”.
واعتبر أن هذا التطور يفتح مرحلة جديدة في تدبير الملف، بالنظر إلى تعثر مجلس الأمن في التوصل إلى توافق بشأن مستقبل البعثة الأممية. كما ربط بين هذا المستجد والتحولات التي عرفتها مواقف المجلس خلال السنوات الأخيرة تجاه مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
وجاء هذا التطور بعد إخفاق المجلس في اعتماد مشروعين متنافسين بشأن مستقبل المينورسو. فقد حصل المشروع الأمريكي على 11 صوتا مؤيدا، مقابل صوت واحد معارض وثلاثة امتناعات، غير أن الفيتو الروسي حال دون اعتماده.
وبعد ذلك، لم يتمكن المشروع الروسي البديل من الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة، بعدما نال تأييد ثلاثة أعضاء فقط، وصوتت الولايات المتحدة ضده، فيما امتنع 11 عضوا عن التصويت.
الفيتو الروسي في مجلس الأمن وسياق تطور الملف
استحضر قاسمي المسار التاريخي لقضية الصحراء المغربية، مشيرا إلى محطات أساسية طبعت تطورها منذ سنة 1975. وتوقف عند المسيرة الخضراء، وما تلاها من تطورات سياسية ودبلوماسية مرتبطة بالملف.
كما أشار إلى اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991، الذي أفضى إلى إنشاء بعثة المينورسو بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690. وتتمثل مهام البعثة في مراقبة وقف إطلاق النار، إلى جانب مهام أخرى مرتبطة بالمسار الأممي لتسوية النزاع.
وفي سياق تعثر تنظيم الاستفتاء، برزت المبادرة المغربية للحكم الذاتي سنة 2007 باعتبارها مقترحا لتسوية النزاع تحت السيادة المغربية. ومنذ ذلك الحين، شكلت المبادرة محور حضور متزايد في قرارات مجلس الأمن ومداولاته بشأن القضية.
واستحضر قاسمي القرار رقم 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025. وقد مدد هذا القرار ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026، ودعم المفاوضات على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
كما دعا القرار الأطراف إلى الانخراط في مناقشات دون شروط مسبقة، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف. وأشار أيضا إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل مخرجا أكثر قابلية للتطبيق.
خلفيات الموقف الروسي وتداعياته السياسية
يربط تحليل قاسمي استخدام موسكو حق النقض بحسابات التوازنات الدولية ومواقف القوى الكبرى داخل مجلس الأمن. ويرى أن الموقف الروسي لم يكن موجها بالضرورة لخدمة الطرح المغربي، بقدر ما ارتبط باعتراض موسكو على مضمون المشروع الأمريكي.
وكانت روسيا قد اعتبرت أن المشروع الأمريكي يتضمن توجها أحاديا بشأن تسوية النزاع، ويمنح مبادرة الحكم الذاتي موقعا حصريا في المفاوضات. كما اعترضت على التغييرات المقترحة في تسمية البعثة وطبيعة مهامها.
وفي المقابل، سعى المشروع الروسي البديل إلى تمديد ولاية المينورسو سنة إضافية، مع الإبقاء على اسمها واختصاصاتها الحالية. غير أن هذا المقترح لم يحصل على الأغلبية المطلوبة داخل المجلس.
ويركز قاسمي على أن تعثر المشروعين وضع مستقبل البعثة أمام وضع غير مسبوق، بعدما أخفق مجلس الأمن في الاتفاق على صيغة جديدة لتمديد ولايتها. وكانت الولاية السابقة، بموجب القرار 2797، محددة إلى غاية 31 أكتوبر 2026.
غير أن عدم اعتماد قرار جديد لا يعني، من الناحية القانونية، أن جميع الترتيبات المرتبطة بالملف قد انتهت تلقائيا. كما لا يترتب عليه وحده تغيير الوضع القانوني للمناطق العازلة أو حسم مسألة السيادة.
بلاغ الديوان الملكي ومستقبل المسار الأممي
وعقب التطورات التي شهدها مجلس الأمن، أصدر الديوان الملكي بلاغا أعلن فيه عدم تجديد ولاية المينورسو. واعتبر البلاغ أن هذا التطور يشكل خطوة مهمة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة.
وأوضح البلاغ أن عدم تجديد الولاية يعني أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، بما يشمل أفرادها ومركباتها ومعداتها، يفترض أن ينتهي خلال الأيام المقبلة.
كما اعتبر أن هذه الخطوة تمثل نهاية مرحلة امتدت 35 سنة، ارتبطت بوجود البعثة الأممية في المنطقة. وأشار إلى أن عدم تجديد ولايتها ينبغي أن يضع حدا لإحالة القضية على مجلس الأمن، وسحبها من جدول أعماله.
وفي المقابل، أكد البلاغ استمرار المغرب في التمسك بوقف إطلاق النار، مع التشديد على حماية وحدته الترابية وأمنه الوطني وسلامة مواطنيه.
وأبرز أيضا أن الدينامية الدولية التي أطلقها الملك محمد السادس ستتواصل على المستويين الثنائي والإقليمي. ولفت إلى أن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى مؤثرة، يدعمون الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية إطارا وحيدا لتسوية النزاع.