تضاعف الصيدليات بالمغرب يفوق نمو السكان ويتجاوز المعايير الدولية

أعاد رأي صادر عن مجلس المنافسة، الإثنين 16 مارس 2026، فتح نقاش عميق حول اختلالات بنيوية في سوق الأدوية بالمغرب، ليس فقط من زاوية الأسعار، بل من خلال إبراز مفارقة لافتة تتمثل في وفرة العرض مقابل هشاشة التوازن الاقتصادي للفاعلين.

فبينما تحسن الولوج الجغرافي إلى الأدوية بشكل واضح، تتزايد الضغوط المالية على الصيدليات والموزعين، ما يطرح سؤال استدامة المنظومة برمتها.

في صلب هذا التشخيص، كشف المجلس عن توسع سريع في عدد الصيدليات، حيث انتقل من 9185 صيدلية سنة 2015 إلى 14134 صيدلية سنة 2024، أي بوتيرة تفوق بكثير نمو السكان الذي لم يتجاوز 8.8 في المائة خلال الفترة نفسها.

هذا التطور أدى إلى بلوغ معدل صيدلية واحدة لكل 2600 نسمة، وهو رقم يفوق بكثير المعيار الذي توصي به منظمة الصحة العالمية والمحدد في صيدلية واحدة لكل 5000 نسمة.

غير أن هذا “التشبع الصيدلاني”، كما يصفه مهنيون، لم يترجم إلى انتعاش اقتصادي للقطاع، بل ساهم في تفتيت السوق وتقليص متوسط رقم معاملات الصيدليات، خصوصا الحديثة منها، ما أضعف مردوديتها وهدد توازنها المالي تدريجيا.

وتزداد حدة هذا الوضع بسبب التفاوتات المجالية، إذ تتركز نحو 45 في المائة من الصيدليات في المحاور الحضرية الكبرى، خاصة في جهتي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة، مقابل خصاص نسبي في جهات أقل كثافة سكانية.

في هذا السياق، اعتبر المجلس أن نظام تسعير الأدوية، رغم ما يوفره من شفافية، أصبح غير ملائم للتحولات الاقتصادية التي يعرفها القطاع.

ودعا المجلس إلى مراجعته بشكل شامل، لضمان توازن أفضل بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان استمرارية الفاعلين في سلسلة التوزيع، مع دعم الإنتاج المحلي.

ومن أبرز المقترحات، الانتقال نحو نموذج هجين لتعويض الموزعين بالجملة، يجمع بين هامش ربح مرتبط بسعر المصنع دون احتساب الرسوم ومبلغ جزافي ثابت عن كل وحدة موزعة، بما يضمن حدا أدنى من العائد بغض النظر عن سعر الدواء.

كما أوصى باعتماد نظام مختلط لتعويض الصيادلة، يزاوج بين هامش الربح وأتعاب عن الخدمة الصيدلية، في توجه يروم تثمين الدور الصحي للصيدلي بدل الاقتصار على دوره التجاري.

ولم يغفل الرأي إشكالية الأدوية مرتفعة الثمن، حيث دعا إلى إعادة تثمين هوامش الربح الخاصة بها لضمان توفرها في مختلف مناطق المملكة، محذرا من أن ضعف جاذبيتها الاقتصادية قد يؤدي إلى اختلال في توزيعها.

كما شدد على ضرورة التمييز بين الأدوية المصنعة محليا والمستوردة، في ظل عجز تجاري دوائي بلغ حوالي 9 مليارات درهم سنة 2024، نتيجة واردات تفوق 10.6 مليارات درهم مقابل صادرات في حدود 1.6 مليار درهم.

من جهة أخرى، اقترح المجلس تخفيف بعض القيود الإدارية المرتبطة بمراجعة الأسعار، من خلال تقليص دورية المراجعة من خمس سنوات إلى ثلاث، مع إدراج آليات مرنة لتفادي مراجعات غير ذات أثر فعلي، خصوصا بالنسبة للأدوية منخفضة السعر.

كما دعا إلى استثناء هذه الفئة من المراجعات الدورية حفاظا على توازن سلاسل التوزيع.

وفي تحول لافت، أوصى المجلس أيضا بالتدرج نحو تحرير أسعار الأدوية غير القابلة للتعويض، المعروفة بـ”غير الأساسية”، مع ترك آليات السوق تحدد أسعارها في إطار تنافسي، على غرار تجارب دولية.

الإطار القانوني الحالي، المؤطر أساسا بمقتضيات القانون رقم 17.04 والمرسوم رقم 2.13.852، يحدد سعر الدواء انطلاقا من سعر المصنع دون احتساب الرسوم، مضافا إليه هوامش ربح الموزعين والصيادلة والضرائب.

ويعتمد تسعير الأدوية الأصلية على أدنى سعر في مجموعة من الدول المرجعية، من بينها إسبانيا وفرنسا وتركيا، بينما تخضع الأدوية الجنيسة لتخفيضات قد تصل إلى 50 في المائة مقارنة بالدواء الأصلي.

لكن خلف هذا البناء التنظيمي المحكم، يبرز خلل أعمق يتمثل في ضعف ملاءمة نظام التسعير مع واقع السوق الوطنية، سواء من حيث هيكلة العرض أو كلفة التوزيع أو التوازن بين الفاعلين.

فالمعادلة لم تعد تتعلق فقط بتحديد سعر عادل للدواء، بل بإعادة تصميم نموذج اقتصادي كامل يضمن الاستدامة.

زاوية التحليل الجديدة التي يطرحها هذا الرأي تتمثل في أن أزمة القطاع ليست أزمة أسعار فقط، بل أزمة نموذج.

فوفرة الصيدليات، التي يفترض أن تعزز المنافسة، تحولت إلى عامل ضغط اقتصادي، في ظل نظام تسعير جامد لا يواكب دينامية السوق.

وبين هدف تعميم الولوج إلى الدواء والحفاظ على توازن الفاعلين، يبدو أن المغرب مطالب اليوم بإعادة صياغة قواعد اللعبة بشكل يوفق بين البعدين الصحي والاقتصادي، قبل أن تتحول الوفرة إلى هشاشة هيكلية يصعب تداركها.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts