اعتبر عبد السلام الصديقي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق، أن التقرير الأخير الصادر عن البنك الدولي بشأن السياسة الصناعية يعكس تحولا عميقا في الفكر الاقتصادي العالمي. ويؤشر هذا التقرير إلى تراجع هيمنة ما يعرف بـ«توافق واشنطن». هذا الأخير ظل لعقود مرجعا للسياسات الاقتصادية في عدد كبير من الدول.
تحول فرضته المتغيرات الدولية
وأوضح الصديقي، في مقال رأي بعنوان «هل نحن أمام نهاية توافق واشنطن؟ البنك الدولي وعودة الدولة في عالم يتجه نحو التشظي»، أن ما يبدو تحولا في خطاب البنك الدولي لا يمثل انقلابا على المبادئ السابقة. لكنه يعكس تغيرا جذريا في البيئة الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.
وأشار إلى أن تداعيات جائحة كوفيد-19، واضطرابات سلاسل التوريد، والحرب في أوكرانيا، والتوترات التجارية، والتنافس التكنولوجي، أعادت إلى الواجهة مفاهيم مثل السيادة الاقتصادية والاستقلال الاستراتيجي والسياسة الصناعية.
العولمة تدخل مرحلة جديدة
وأكد الوزير السابق أن العالم يشهد انتقالا من عولمة تقوم على الكفاءة الاقتصادية إلى نموذج جديد. هذا النموذج يمنح الأولوية للأمن الاقتصادي والسيادة التكنولوجية والمرونة الاستراتيجية.
وأضاف أن المنافسة الأمريكية الصينية، إلى جانب السياسات الصناعية الجديدة التي تنهجها الولايات المتحدة، تعكس هذا التحول. ويحدث ذلك بالتوازي مع صعود مجموعة «بريكس» وظهور مراكز قوة اقتصادية جديدة.
الدولة والسوق… علاقة تكامل لا تعارض
وشدد الصديقي على أن تقرير البنك الدولي لا يدعو إلى العودة إلى الاقتصاد الموجه. وإنما يدعو إلى دولة أكثر كفاءة وقدرة على وضع رؤية استراتيجية. كذلك يدعو إلى الاستثمار في الرأسمال البشري، ودعم الابتكار، وتهيئة الظروف المناسبة أمام القطاع الخاص.
واعتبر أن التجارب الدولية أثبتت أن التنمية المستدامة لا تتحقق بالسوق وحده ولا بالدولة وحدها. بل تتحقق عبر تكامل بين مؤسسات عمومية قوية وقطاع خاص ديناميكي.
المغرب معني بالتحول العالمي
وأوضح أن المغرب معني بشكل مباشر بهذه التحولات. ويعود ذلك إلى الخيارات التي تبناها في مجالات السياسة الصناعية، والانتقال الطاقي، والحماية الاجتماعية، والسيادة الغذائية، وتنويع الشراكات الاقتصادية.
وختم الصديقي بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي لا يكمن في توسيع تدخل الدولة فقط. بل يكمن في بناء مؤسسات فعالة قادرة على تحقيق التوازن بين دور الدولة وآليات السوق. وهذا التوازن يجب أن يخدم السيادة الوطنية والتنافسية الاقتصادية ويحسن مستوى عيش المواطنين.