مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، يعود الجدل مجدداً حول استغلال العمل الاجتماعي والخدمات المحلية في التنافس السياسي، خاصة داخل عدد من الجماعات والمقاطعات الترابية بالمدن الكبرى. ففي الوقت الذي شددت فيه وزارة الداخلية المغربية الرقابة على توزيع المساعدات الموسمية، وعلى رأسها القفة الرمضانية، بدأت تظهر صيغ جديدة يُشتبه في توظيفها انتخابياً لاستمالة الناخبين بطرق غير مباشرة.
خدمات اجتماعية في قلب الجدل
آخر هذه المبادرات ما أعلنت عنه رئاسة مقاطعة عين الشق بالدار البيضاء، والمتعلقة بإطلاق خدمة “الجنائز الاجتماعية” لفائدة الساكنة. وتقوم هذه المبادرة على مواكبة الأسر التي فقدت أحد أفرادها، عبر توفير مجموعة من الخدمات المرتبطة بتنظيم الجنازة، مثل التنسيق مع الطبيب لمعاينة الوفاة واستكمال الإجراءات الإدارية، إضافة إلى توفير خيمة العزاء والكراسي والطاولات.
وأوضحت رئاسة المقاطعة أن هذه الخدمة اجتماعية بالكامل ومجانية، حيث يمكن لأسرة الفقيد الاتصال مباشرة بالرقم المخصص فور وقوع الوفاة، دون الحاجة إلى أي وساطة. كما أكدت أن الاستفادة من الخدمة لا تخضع لأي اعتبارات سياسية أو انتخابية، وأن أي محاولة لاستغلالها لأغراض مادية أو انتخابية تعتبر مخالفة صريحة لتوجهات المقاطعة.
بين العمل الاجتماعي والحسابات الانتخابية
غير أن إطلاق هذه المبادرة في هذا التوقيت بالذات، تزامناً مع بداية العد العكسي للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، أعاد طرح تساؤلات في الأوساط السياسية والمدنية حول حدود العمل الاجتماعي داخل الجماعات الترابية، ومدى إمكانية تحوله إلى وسيلة غير مباشرة للتأثير على السلوك الانتخابي.
ويرى عدد من المتابعين أن بعض المنتخبين يعتمدون على ما يسمى بـ“سياسة القرب الاجتماعي”، عبر إطلاق مبادرات أو خدمات لفائدة الساكنة، قد تكون ذات طابع إنساني في ظاهرها، لكنها تتحول عملياً إلى آلية لتعزيز الحضور السياسي وكسب التعاطف الشعبي قبيل الاستحقاقات الانتخابية.
أساليب جديدة لاستمالة الناخبين
وفي هذا السياق، تشير تقارير ميدانية إلى أن الأساليب التقليدية المرتبطة بتوزيع المساعدات الغذائية بدأت تتراجع نسبياً بعد تشديد الرقابة عليها، مقابل بروز صيغ جديدة أقل إثارة للشبهات القانونية المباشرة.
ومن بين هذه الصيغ توزيع بطاقات شراء مسبقة الدفع بدل القفف الغذائية الرمضانية، أو تقديم خدمات اجتماعية عبر جمعيات محلية موالية، تشمل الدعم المدرسي أو الرحلات الترفيهية أو المساعدة في تسريع بعض الملفات الإدارية أو الطبية.
كما يتم أحياناً استمالة بعض الناخبين عبر وعود بفرص عمل موسمية في مشاريع مرتبطة بالجماعات الترابية أو مقاولات مقربة من فاعلين سياسيين، إضافة إلى استعمال وسائل رقمية لتحويل مبالغ صغيرة لشبكات من الوسطاء المحليين بهدف ضمان ولاء أحياء معينة.
تحديات الرقابة القانونية
هذه التحولات تضع السلطات العمومية والمجتمع المدني أمام تحديات جديدة تتعلق بآليات ضبط العملية الانتخابية، خاصة عندما يتم تقديم هذه المبادرات تحت غطاء العمل الاجتماعي أو التضامني.
ورغم أن القانون الانتخابي المغربي يجرّم صراحة شراء الأصوات أو تقديم المنافع مقابل الأضوات أو الدعم الانتخابي، فإن إثبات الطابع الانتخابي لبعض المبادرات الاجتماعية يظل أمراً معقداً في كثير من الحالات، خصوصاً عندما يتم تقديمها بشكل مؤسساتي أو عبر جمعيات مدنية.
بين الحاجة الاجتماعية والتوظيف السياسي
في المحصلة، يكشف هذا الجدل عن إشكالية أعمق تتعلق بالعلاقة بين العمل الاجتماعي والعمل السياسي الجماعات والمقاطعات الترابية . فبينما تحتاج فئات واسعة من الساكنة إلى خدمات القرب والدعم الاجتماعي، يظل التخوف قائماً من تحول هذه المبادرات إلى أدوات انتخابية غير مباشرة.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يبدو أن النقاش حول “الاستعمال الانتخابوي للخدمات الاجتماعية” سيبقى حاضراً بقوة، خاصة في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء، حيث تتقاطع المنافسة السياسية مع واقع اجتماعي معقد يجعل من كل مبادرة محلية موضوعاً للتأويل السياسي.
الداخلية تُضيّق على استغلال الجماعات في الحملات الانتخابية
يذكر أن مصالح وزارة الداخلية المغربية سبق أن باشرت، عبر ولاة وعمال جهات جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة وجهة مراكش آسفي، إجراءات رقابية مشددة على مجالس الجماعات والمقاطعات الترابية ، بهدف الحد من شبهات استغلال المال العام في حملات انتخابية سابقة لأوانها.
وأفادت معطيات متطابقة بأن عمال العمالات والأقاليم شرعوا في سحب بعض صلاحيات المنتخبين المرتبطة بمنح الدعم للجمعيات وتجديد عقود العمال العرضيين، وذلك استناداً إلى تقارير رصدت خروقات تتعلق بتوظيف هذه الموارد لأغراض انتخابية.
كما حذّرت مراسلات رسمية موجهة إلى رؤساء الجماعات والمقاطعات الترابية من الاستمرار في تشغيل العمال العرضيين بشكل متكرر بما قد يترتب عنه حقوق مكتسبة وفق مدونة الشغل، مع توجيهات صارمة بمنع أي توظيف جديد في هذه الفئة خلال ما تبقى من الولاية الجماعية الحالية.
وفي السياق ذاته، رفضت سلطات الوصاية التأشير على عدد من ملفات دعم الجمعيات بسبب شبهات تضارب المصالح، بعدما تبين أن بعضها يُدار من قبل مقربين من منتخبين محليين.
وأكدت مصادر مطلعة أن هذه الإجراءات تأتي في إطار تفعيل مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، خاصة المادة 94، التي تمنع استغلال موارد وممتلكات الجماعات الترابية لتحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية.