صراع داخل اليسار المغربي.. هل يتحول الخلاف التنظيمي إلى لحظة إعادة تشكيل سياسية؟

صراع داخل اليسار المغربي.. هل يتحول الخلاف التنظيمي إلى لحظة إعادة تشكيل سياسية؟

دخل الحزب الاشتراكي الموحد مرحلة توتر داخلي غير مسبوقة، بعد إعلان “تيار اليسار الجديد المتجدد” عن أرضيته الفكرية والسياسية بشكل علني. في خطوة لم تكن مجرد تعبير تنظيمي عابر، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة تعكس أزمة أعمق داخل اليسار المغربي.

فبين اتهامات القيادة الحزبية بغياب الشرعية، وردود التيار باتهامات “التحكم والانحراف”، يطفو سؤال جوهري حول مستقبل هذا التيار السياسي برمته.

خلاف يتجاوز التنظيم إلى طبيعة المشروع اليساري

ما يميز هذا الصراع أنه لم يعد محصورا في الجوانب التنظيمية أو القانونية. بل امتد إلى جوهر التصور اليساري نفسه. إذ يطرح التيار الجديد رؤية تعتبر أن اليسار في المغرب فقد ديناميته التاريخية، وبات عاجزا عن مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية، في حين تتمسك القيادة الحزبية بشرعية المؤسسات كمرجعية أساسية لضبط الخلاف.

هذا التباين يكشف أن الأزمة الحالية ليست وليدة لحظة. بل تعود جذورها إلى ما بعد المؤتمر الخامس سنة 2023، حيث بدأت تتشكل ملامح تيار داخلي ينتقد ما وصفه بجمود الخطاب وغياب التجديد.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه الانتقادات إلى مشروع سياسي متكامل يسعى إلى إعادة تعريف دور اليسار داخل المجتمع.

منطق “الشرعية” في مواجهة “المشروعية”

في قلب هذا الصراع، يبرز تناقض واضح بين منطقين مختلفين. الأول تمثله القيادة التي تستند إلى القوانين الداخلية وقرارات المؤسسات. معتبرة أن أي مبادرة خارج هذا الإطار تعد خرقا يستوجب المساءلة. أما الثاني، فيتبناه التيار الجديد، الذي يراهن على ما يسميه “المشروعية النضالية” المنبثقة من القاعدة الحزبية.

هذا التعارض يعيد إلى الواجهة إشكالية قديمة داخل الأحزاب اليسارية. تتعلق بحدود الديمقراطية الداخلية، وهل تظل محكومة بالنصوص التنظيمية فقط. أم أنها تمتد لتشمل حرية المبادرة السياسية حتى خارج القنوات الرسمية.

تحولات السياق السياسي تضغط على اليسار

لا يمكن قراءة هذا التوتر بمعزل عن السياق العام، حيث يشهد المشهد السياسي المغربي تحولات عميقة، تتسم بصعود منطق التدبير التقني وتراجع الخطاب الإيديولوجي.

في هذا الإطار، يجد اليسار نفسه أمام تحدي مزدوج: إما التأقلم مع هذه التحولات، أو إعادة بناء نفسه كقوة اقتراحية قادرة على التأثير.

التيار الجديد يحاول استثمار هذا الفراغ عبر الدعوة إلى إنتاج أفكار يسارية نقدية جديدة. قادرة على مواجهة ما يسميه “هيمنة إيديولوجية السوق”، بينما ترى القيادة أن الحفاظ على وحدة الحزب أولوية تتقدم على أي مغامرة تنظيمية غير محسوبة.

القضايا الهوياتية والدينية في قلب النقاش

من بين أبرز نقاط الاختلاف، تبرز مقاربة التيار لمسائل الهوية والثقافة والدين. حيث يدعو إلى إعادة طرح هذه القضايا من منظور يساري تنويري. مع إعطاء مكانة أكبر للبعد الأمازيغي داخل المشروع المجتمعي.

هذا الطرح يعكس محاولة لتوسيع قاعدة الخطاب اليساري، وربطه بقضايا المجتمع الفعلية، لكنه في الوقت نفسه يثير حساسية داخل الحزب، خاصة في ظل غياب توافق داخلي حول كيفية التعاطي مع هذه الملفات المعقدة.

سيناريوهات مفتوحة على إعادة التشكل

أمام هذا الوضع، تبدو كل السيناريوهات ممكنة. فإما أن يقود هذا الصراع إلى مراجعة داخلية تعيد ترتيب البيت اليساري، أو يتجه نحو مزيد من الانقسام الذي قد يضعف هذا التيار أكثر داخل المشهد السياسي.

وفي كلتا الحالتين، يظهر أن ما يحدث اليوم يتجاوز حدود حزب واحد. ليعكس أزمة بنيوية يعيشها اليسار المغربي منذ سنوات، تتعلق بقدرته على التجدد واستعادة موقعه داخل المجتمع.

وبين منطق الانضباط التنظيمي ورغبة التجديد السياسي. يظل الرهان الحقيقي هو ما إذا كان هذا الصراع سيتحول إلى فرصة لإعادة البناء. أم إلى محطة إضافية في مسار التراجع.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts