مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، دخلت العاصمة الاقتصادية للمملكة الدارالبيضاء مبكرا في دينامية سياسية متصاعدة، تعكس حجم الرهانات المرتبطة بالاستحقاقات المقبلة.
فباعتبارها أكبر مدينة في المغرب من حيث الكثافة السكانية والوزن الاقتصادي، إضافة إلى تعدد دوائرها الانتخابية، تظل الدارالبيضاء المجال الأكثر تأثيرا في تشكيل ملامح التوازنات داخل مجلس النواب.
ولهذا السبب تحولت منذ الأشهر الأولى من سنة 2026 إلى ساحة تنافس سياسي مفتوح، بين الأحزاب الكبرى والوجوه المحلية، التي تسعى إلى تعزيز حضورها داخل البرلمان المقبل.
المعطيات المتوفرة، تشير إلى أن عددا من الأحزاب السياسية اختار الدخول مبكرا في مرحلة التعبئة الانتخابية، عبر حسم جزء من الترشيحات أو إطلاق مشاورات تنظيمية لاختيار الأسماء التي ستقود اللوائح في الدوائر الأكثر حساسية.
كما بدأت بعض المعارك السياسية تتشكل داخل دوائر توصف تقليديا بأنها “دوائر صعبة”، بالنظر إلى ثقل الأسماء المتنافسة فيها وتشابك النفوذ المحلي مع الحسابات الحزبية.
في مقدمة هذه الدوائر تبرز دائرة أنفا، التي تحظى عادة باهتمام خاص من قبل الفاعلين السياسيين والمتابعين للشأن الانتخابي في الدار البيضاء.
فهذه الدائرة، التي تخصص لها أربعة مقاعد برلمانية، تعد واحدة من أكثر الدوائر رمزية في العاصمة الاقتصادية، نظرا إلى تركيبتها الاجتماعية وتاريخ المنافسة السياسية داخلها.
ودخلت هذه الدائرة مبكرا في أجواء الانتخابات بعد اختيار الحزب الاشتراكي الموحد للمستشار الجماعي عبد الله أباعقيل، مرشحا له عقب جمع عام انتخابي نظمه فرع الحزب بالدار البيضاء.
وجاء هذا القرار بعد تصويت داخلي تنافس فيه أباعقيل مع حميد الراكراكي، في خطوة اعتبرها الحزب تعبيرا عن مسطرة تنظيمية ديمقراطية داخلية.
ويحمل هذا الترشيح دلالات سياسية بالنسبة للحزب الاشتراكي الموحد، الذي يسعى إلى إعادة تثبيت حضوره داخل دائرة سبق أن فاز فيها بمقعد برلماني خلال انتخابات 2016، قبل أن يفقده في الاستحقاقات اللاحقة.
كما يعكس في الوقت نفسه، رغبة الحزب في الدفع بوجوه محلية قادرة على خوض معركة انتخابية صعبة، في دائرة تشهد منافسة قوية من قبل أحزاب تمتلك إمكانيات تنظيمية ومالية أكبر.
في المقابل، يتجه حزب الأصالة والمعاصرة إلى الدفع باسم نجوى كوكوس، رئيسة المجلس الوطني للحزب، لخوض المنافسة في هذه الدائرة، في محاولة للحفاظ على المقعد الذي كان يشغله سعيد الناصيري.
ويعد غياب الناصيري أحد أبرز المتغيرات التي أعادت رسم الخريطة الانتخابية داخل أنفا، بعد أن كان خلال السنوات الماضية أحد أهم الفاعلين الانتخابيين في الدائرة.
فالناصيري، الذي شغل سابقا منصب رئيس نادي الوداد الرياضي ونائبا برلمانيا، كان يرتبط بحضور سياسي واجتماعي قوي داخل المنطقة.
غير أن متابعته القضائية في القضية المعروفة إعلاميا بملف “إسكوبار الصحراء”، ووجوده رهن الاعتقال الاحتياطي، أخرجاه عمليا من المشهد السياسي، ما فتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى داخل الدائرة.
وإلى جانب هذين الاسمين، تتداول الأوساط السياسية أسماء أخرى مرشحة لدخول السباق الانتخابي في أنفا، من بينها البرلمانية فاطمة التامني عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، ولطيفة الشريف عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إضافة إلى أسماء متداولة داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، مثل النائب البرلماني محمد الشباك وعمدة الدار البيضاء نبيلة الرميلي.
غير أن الحركية الانتخابية المبكرة لا تقتصر على دائرة أنفا فقط، بل تمتد إلى عدد من الدوائر الأخرى التي تستعد بدورها لمعركة سياسية قوية.
في دائرة عين السبع – الحي المحمدي، التي يصفها متتبعون للشأن الانتخابي بـ“دائرة الموت”، تبدو المنافسة مرشحة لتكون واحدة من أكثر المعارك حدة في العاصمة الاقتصادية.
فهذه الدائرة تجمع عددا من الأسماء السياسية التي تمتلك حضورا انتخابيا وتنظيميا داخل المنطقة، ما يجعل السباق فيها مفتوحا على احتمالات متعددة.
ويتعلق الأمر بكل من عبد اللطيف حرشيش عن حزب الاتحاد الدستوري، وحسن بنعمر عن التجمع الوطني للأحرار، وعادل بيطار عن حزب الأصالة والمعاصرة، إضافة إلى رشيد أفيلال عن حزب الاستقلال.
ويجمع متابعون للشأن السياسي المحلي على أن هذا الرباعي يمتلك قواعد انتخابية مختلفة داخل الأحياء الشعبية للمنطقة، وهو ما يجعل نتيجة المنافسة بينهم غير محسومة مسبقا.
أما في دائرة سيدي البرنوصي، فتتجه الأنظار إلى المواجهة التقليدية بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار.
ويبرز في هذا السياق اسما أحمد بريجة وعبد الرحيم وطاس، اللذان راكما تجربة طويلة في تدبير الشأن المحلي والعمل البرلماني، ويعتمدان على شبكات علاقات محلية واسعة داخل المقاطعات التابعة للدائرة.
وتتميز هذه الدائرة بكونها شهدت خلال السنوات الماضية صراعات سياسية متكررة بين الحزبين، سواء داخل المجالس المحلية أو خلال الحملات الانتخابية السابقة، وهو ما يمنح المنافسة المقبلة طابعا خاصا يتجاوز مجرد التنافس الانتخابي.
في المقابل، تبدو دائرة ابن مسيك مقبلة على معركة انتخابية لا تقل سخونة، حيث يبرز اسم محمد جودار، الأمين العام لحزب الاتحاد الدستوري، كأحد أبرز الفاعلين الانتخابيين داخل المنطقة.
ويعتمد جودار على شبكة علاقات محلية وقاعدة جمعوية واسعة راكمها على مدى سنوات من العمل السياسي، ما يجعله رقما صعبا في المعادلة الانتخابية داخل الدائرة.
كما يدخل التجمع الوطني للأحرار السباق عبر رئيس مقاطعة سباتة توفيق كميل، الذي يستند إلى موقعه في تدبير الشأن المحلي لتعزيز حضوره الميداني داخل المنطقة.
وفي الجهة المقابلة، يحاول حزب الاستقلال تعزيز موقعه عبر ترشيح المحامي محمد الخطار، الذي يمثل نموذجا لمرشح قادم من الأوساط المهنية، ويسعى إلى استقطاب أصوات الطبقة المتوسطة داخل الدائرة.
وفي دائرة الحي الحسني، تبدو المنافسة بدورها مفتوحة بين عدد من الأسماء السياسية التي تسعى إلى الحفاظ على مواقعها أو تعزيز حضورها الانتخابي.
ويبرز في هذا السياق اسم إدريس الشرايبي عن حزب التجمع الوطني للأحرار، إلى جانب صلاح الدين الشنقيطي عن حزب الأصالة والمعاصرة، ومحمد الركاني عن حزب الاستقلال، في وقت يحاول فيه حزب العدالة والتنمية استعادة جزء من حضوره الانتخابي الذي تراجع خلال انتخابات 2021.
كما تشهد دائرة مولاي رشيد حراكا سياسيا لافتا، بعد اختيار التجمع الوطني للأحرار الشاب أنس حدادي وكيلا للائحته في الانتخابات المقبلة، في خطوة تعكس توجه الحزب نحو الدفع بوجوه جديدة داخل بعض الدوائر.
ويقابل هذا التوجه حضور اسم عبد الإله شيكر عن حزب التقدم والاشتراكية، الذي يسعى إلى الحفاظ على مقعده البرلماني اعتمادا على تجربته السياسية، وحضوره المحلي داخل المنطقة.
وفي موازاة هذه التحركات الحزبية، يطرح اقتراب موعد الانتخابات التشريعية نقاشا متزايدا حول حدود العمل الاجتماعي داخل الجماعات والمقاطعات الترابية، خاصة في المدن الكبرى.
فقد بدأت تظهر مبادرات اجتماعية وخدمات محلية تقدمها بعض المجالس المنتخبة لفائدة الساكنة، وهو ما يثير تساؤلات حول إمكانية توظيف هذه المبادرات سياسيا في سياق المنافسة الانتخابية.
هذه التطورات دفعت وزارة الداخلية إلى تشديد الرقابة على تدبير بعض الموارد المحلية، خصوصا تلك المرتبطة بدعم الجمعيات أو تشغيل العمال العرضيين، في إطار إجراءات تهدف إلى الحد من أي استعمال محتمل للإمكانيات العمومية لأغراض انتخابية.
في المحصلة، تعكس التحركات السياسية الجارية في الدار البيضاء بداية مرحلة مبكرة من التعبئة الانتخابية قبل أشهر طويلة من موعد الاقتراع.
وبين نفوذ الأعيان المحليين، وطموحات الوجوه السياسية الصاعدة، وصراع الأحزاب الكبرى على مواقعها داخل البرلمان المقبل، تبدو العاصمة الاقتصادية مرة أخرى في قلب المعركة الانتخابية الوطنية.
ومع استمرار هذه الدينامية خلال الأشهر المقبلة، ستظل الدار البيضاء إحدى الساحات الأساسية التي قد تحدد، إلى حد كبير، ملامح الخريطة السياسية للبرلمان المغربي بعد انتخابات 2026.