حزب الحركة الشعبية على صفيح ساخن مع ميلاد “الديمقراطية الشعبية”

في تطور سياسي مفاجئ، أعلنت مجموعة من القيادات المنشقة عن حزب الحركة الشعبية في ماي 2025 تأسيس تنظيم سياسي جديد تحت اسم “الحركة الديمقراطية الشعبية”، مما أثار جدلاً واسعاً حول مستقبل أحد أعرق الأحزاب في المشهد السياسي المغربي.
وتكشف الوثائق المودعة لدى وزارة الداخلية في 28 أبريل الماضي، أن المبادرة تقودها شخصيات بارزة في تاريخ الحزب الأم، على رأسها محمد الفاضيلي، النائب البرلماني السابق ورئيس المجلس الوطني السابق للحركة الشعبية، في خطوة تُضاف إلى سلسلة طويلة من الانشقاقات التي طبعت تاريخ هذا التنظيم السياسي منذ تأسيسه.

خلافات عميقة تفجر الانشقاق
وتشير مصادر مطلعة لموقع إحاطة.ما إلى أن الخلافات الجوهرية حول التوجهات الفكرية والتنظيمية للحزب شكلت المحرك الأساسي لهذا الانشقاق. إذ يتهم المنشقون القيادة الحالية للحركة الشعبية بالتخلي عن الجذور الاجتماعية للحزب لصالح تحالفات نخبوية، مع إهمال قضايا حيوية مثل التشغيل ومحاربة الهشاشة الاجتماعية.
“لقد ابتعد الحزب عن مبادئه التأسيسية وأصبح أسير تحالفات ضيقة”، يقول أحد المنشقين، مشيراً إلى أزمة حوكمة داخلية تتجلى في مركزية القرار وغياب الآليات الديمقراطية في اختيار القيادات.
وتعكس الوثائق الرسمية حجم الاستياء داخل صفوف الحزب، حيث تضمن ملف التأسيس الجديد 402 توقيعاً، مما يشير إلى قاعدة مؤيدة واسعة للمبادرة الانشقاقية ضمن التنظيم الأم.

رؤية جديدة للعمل السياسي
ويطرح الحزب الوليد برنامجاً سياسياً يرتكز على أربعة محاور أساسية: الإصلاح المؤسساتي مع التركيز على محاربة الإثراء غير المشروع، والعدالة المجالية لمعالجة التفاوتات الجهوية، وتعزيز الحكامة المحلية عبر الديمقراطية التشاركية، إضافة إلى تطوير سياسة اجتماعية شاملة.
وتعتمد الاستراتيجية الجديدة على بناء هيكل تنظيمي لامركزي يعزز دور الفروع الجهوية، مع التركيز على جذب عناصر من خارج المنظومة الحزبية التقليدية، بما في ذلك مستشاري الجماعات المحلية وناشطين من المجتمع المدني.

معركة قانونية حول التسمية
ولم تتأخر قيادة الحركة الشعبية في الرد على هذا التطور، حيث رفضت بشدة التسمية الجديدة، معتبرة إياها محاولة لسرقة الهوية التاريخية للحزب. وأرسلت القيادة مذكرة رسمية لوزارة الداخلية تطالب فيها بمنع استخدام المسمى الجديد بسبب التشابه مع علامتها الحزبية.
ويواجه الحزب الناشئ تحدياً قانونياً صعباً، حيث تشترط المادة السابعة من القانون التنظيمي للأحزاب بتمييز التسميات. وقد تضطر الوزارة إلى رفض المسمى الحالي إذا ثبت التضارب مع الأحزاب القائمة، مما يفرض على المؤسسين البحث عن بديل مناسب.

انشقاقات متكررة تُعيد رسم الخريطة
وتأتي هذه الخطوة في إطار تاريخ طويل من الانشقاقات داخل الحركة الشعبية منذ تأسيسها عام 1957. وكان أبرز هذه الانشقاقات انشقاق عبد الكريم الخطيب عام 1967 الذي أسس الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، التي تحولت لاحقاً إلى حزب العدالة والتنمية الحالي.
كما شهدت التسعينيات انشقاقاً مؤثراً بقيادة المؤسس التاريخي المحجوبي أحرضان عام 1991، الذي أسس الحركة الوطنية الشعبية، قبل أن تتم محاولة إعادة التوحيد عام 2006 دون تحقيق الاندماج المطلوب.

تحديات وآفاق

يدعو محمد الفاضيلي صراحة إلى تبني النموذج الغربي القائم على حزبين أو ثلاثة كحد أقصى، في إشارة إلى ضرورة إصلاح المنظومة الحزبية. كما يحرص الحزب الجديد على تأكيد ولائه للملكية، مع التركيز على دورها كحكم فوق التكتلات الحزبية.
غير أن الخبراء يحذرون من تحديات وجودية تواجه التجربة الجديدة، أبرزها صعوبة التمييز عن الحزب الأم في البرامج والسياسات، ومحدودية الموارد المالية، إضافة إلى خطر التشرذم الداخلي في ظل تنوع الخلفيات السياسية للمنضمين.
وتشكل ولادة الحركة الديمقراطية الشعبية اختباراً حقيقياً لقدرة الأحزاب التاريخية على التجدد في مواجهة التحولات المجتمعية. كما تكشف عن إشكاليات بنيوية في النظام الحزبي المغربي، حيث تتفاعل العوامل الشخصية مع الأزمات الهيكلية لإنتاج ديناميكيات جديدة.
بينما تطرح التجربة إمكانيات إصلاحية، تبقى نجاحاتها مرهونة بقدرتها على تجاوز الإرث التاريخي للانشقاقات السابقة وبناء هوية سياسية متميزة تستطيع إقناع الناخب المغربي ببرنامجها الإصلاحي وقدرتها على الإضافة للمشهد السياسي الوطني.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts