تدبير ديمقراطي للمالية العمومية من أجل تنمية دامجة

الصديقي: التدبير الديمقراطي للمالية العمومية رهان التنمية الدامجة | إحاطة

يشكل موضوع “التدبير الديمقراطي للمالية العمومية من أجل تنمية دامجة بالمغرب” واحدا من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية التي تواجه المملكة اليوم. وذلك بالنظر إلى ارتباطه المباشر بفعالية السياسات العمومية. وقدرة الدولة على بناء نموذج تنموي أكثر عدالة وتوازنا.

وفي هذا السياق، أكد عبد السلام الصديقي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير التشغيل والشؤون الاجتماعية سابقا، أن المالية العمومية لا تقتصر على كونها أداة محاسباتية، بل تعكس الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة. كما تحدد أولويات الإنفاق العمومي وطرق توزيع الموارد.

الشفافية والمحاسبة أساس الحكامة المالية

وأوضح الصديقي، خلال ندوة احتضنتها جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، أن أي تدبير ديمقراطي للمالية العمومية ينبغي أن يقوم على مبادئ أساسية، من بينها الشفافية والمسؤولية والمشاركة المواطنة والرقابة الديمقراطية. وذلك بهدف تعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات.

وأضاف أن الشفافية الميزانياتية تظل ركيزة محورية في الحكامة الجيدة، باعتبار أن من حق المواطنين معرفة مصادر الموارد العمومية وكيفية صرفها. فضلا عن ضرورة نشر المعطيات المالية وتقييم السياسات العمومية بشكل منتظم.

وفي المقابل، شدد المتحدث على أهمية الدور الذي يضطلع به المجلس الأعلى للحسابات في مراقبة النفقات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. علاوة على الدور المركزي للبرلمان في مناقشة قانون المالية ومراقبة السياسات الحكومية.

البرلمان والمشاركة المواطنة

وأكد الوزير السابق أن التصويت على قانون المالية لا يجب أن يبقى مجرد إجراء شكلي. بل ينبغي أن يتحول إلى لحظة حقيقية للنقاش الديمقراطي حول الأولويات الوطنية. سواء تعلق الأمر بالتعليم أو الصحة أو التشغيل أو الحماية الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية.

كما أشار إلى أن الديمقراطية الميزانياتية لا يمكن أن تقتصر على المؤسسات الرسمية فقط. وإنما يجب أن تشمل أيضا المواطنين والجماعات الترابية وفعاليات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والباحثين.

وفي السياق ذاته، أبرز الصديقي أن تجارب الميزانيات التشاركية في عدد من الدول أثبتت أهمية إشراك المواطنين في الاختيارات الميزانياتية، لما لذلك من أثر إيجابي على توزيع الموارد وتعزيز الثقة في العمل العمومي.

النمو الاقتصادي وحده لا يكفي

ومن جهة أخرى، اعتبر الصديقي أن النمو الاقتصادي لا يضمن تلقائيا تحقيق التقدم الاجتماعي، رغم الإنجازات التي حققها المغرب في مجالات البنيات التحتية والتصنيع والمشاريع الكبرى.

وأوضح أن عددا من الجهات لا يزال يعاني من ضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية وفرص الشغل والبنيات التحتية، وهو ما يفرض، بحسبه، توجيها أفضل للموارد العمومية نحو القطاعات الاجتماعية ذات الأولوية.

كما دعا إلى تعزيز الاستثمار في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وتشغيل الشباب. فضلا عن إيلاء اهتمام خاص بالعالم القروي والنساء والفئات الهشة، بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

إصلاحات في المالية العمومية

وفي معرض حديثه عن الإصلاحات الجارية، نوه الصديقي بعدد من الأوراش التي انخرط فيها المغرب خلال السنوات الأخيرة. وعلى رأسها تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح القانون التنظيمي للمالية، ورقمنة الإدارة العمومية. إلى جانب تحديث الحكامة العمومية.

وفي المقابل، أشار إلى أن تحديات عديدة ما تزال مطروحة. خاصة ما يتعلق بمحاربة الفساد وتحسين نجاعة النفقات العمومية وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.

إطار استراتيجي جديد للفترة 2026-2032

وتوقف عبد السلام الصديقي عند الوثيقة التي أصدرتها وزارة الاقتصاد والمالية خلال مارس 2026 تحت عنوان “الإطار الاستراتيجي لإصلاح تدبير المالية العمومية 2026-2032”.

وأوضح أن هذه الوثيقة تهدف إلى تحديث تدبير المالية العمومية وتعزيز الشفافية والنجاعة والاستدامة، فضلا عن جعل المالية العمومية في خدمة النموذج التنموي الجديد.

كما يرتكز هذا الإطار، بحسب المتحدث، على خمسة محاور استراتيجية، تشمل النجاعة، والاستدامة، والشفافية، والإدماج، إضافة إلى التنسيق وقيادة التغيير.

وأكد الصديقي أن هذا المشروع يسعى إلى تطوير الميزانية نحو منطق يرتكز على النتائج والأثر الفعلي للسياسات العمومية. وذلك من خلال اعتماد مؤشرات الأداء وآليات التقييم وتحسين تدبير الاستثمارات العمومية.

رهان التنمية الدامجة

وفي ختام مداخلته، شدد عبد السلام الصديقي على أن التدبير الديمقراطي للمالية العمومية أصبح ضرورة استراتيجية بالنسبة للمغرب. وذلك بالنظر إلى دوره في ترسيخ دولة الحق والقانون وتعزيز العدالة الاجتماعية وتحقيق تنمية دامجة ومستدامة.

وأشار إلى أن مستقبل التنمية بالمغرب سيظل رهينا بمدى القدرة على بناء حكامة مالية قائمة على الشفافية والمسؤولية والمشاركة المواطنة، بعيدا عن منطق التدبير التقني الضيق للمالية العمومية.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts