حذر الخبير الاقتصادي والوزير السابق عبدالسلام الصديقي من خطورة تداخل المال والسياسة، معتبرا أن استثمار المال في المجال السياسي أو العكس يخلق قلقا داخل المجتمع ويؤدي إلى تشويه قواعد اللعبة الديمقراطية.
وأكد أن هذه الظاهرة ليست جديدة، إذ تناولها مفكرون وفلاسفة عبر التاريخ، باعتبارها أحد أبرز مصادر الفساد والانحراف في تدبير الشأن العام.
وأوضح الصديقي في مقال رأي بعنوان «المال والسياسة: زواج غير شرعي» أن انتقاد هذا التداخل لا يعني مهاجمة الثروة المشروعة أو التشكيك في رجال الأعمال الذين راكموا ثرواتهم بطرق قانونية وشفافة، بل على العكس، فهذه الفئة تساهم في بناء برجوازية وطنية منتجة للثروة وموفرة لفرص الشغل. غير أن الإشكال، بحسبه، يبدأ عندما تتحول الثروة إلى أداة للتأثير في القرار السياسي أو عندما تصبح السلطة وسيلة للإثراء.
وفي تحليله لجذور هذه الظاهرة، استحضر الصديقي عددا من المفكرين الذين تناولوا العلاقة بين المال والسلطة.
فقد اعتبر ابن خلدون في مقدمته أن سعي الحكام وراء الرفاهية والثروة يقود إلى إثقال كاهل المجتمع بالضرائب واستنزاف الموارد، ما يؤدي إلى انحطاط الدولة وتفكك الروابط الاجتماعية.
أما جان جاك روسو فربط بين الملكية الخاصة وتفاقم التفاوتات التي قد تحرف الإرادة العامة لصالح مصالح أوليغارشية، بينما حذر مونتيسكيو من أن الفساد المالي يقوض مبدأ فصل السلطات ويفتح الباب أمام الاستبداد.
وأشار الصديقي إلى أن هذه المخاوف الفكرية القديمة ما تزال حاضرة في النقاش المعاصر، حيث يبرز باحثون مثل توماس بيكيتي وبيير روزنفالون تأثير المال على الديمقراطيات الحديثة من خلال تعميق الفوارق الاجتماعية وإضعاف الثقة في المؤسسات.
كما أن تضخم النفقات الانتخابية في عدة دول أدى إلى ارتهان الأحزاب السياسية لتمويلات غير شفافة، ما يفتح المجال أمام النفوذ الخاص للتأثير في القرارات العمومية.
وفي هذا السياق، لفت إلى أن من أخطر مظاهر هذا التداخل التمويل غير القانوني للأحزاب والحملات الانتخابية، والتلاعب بالنفوذ، وتحويل الصفقات العمومية لخدمة مصالح ضيقة.
هذه الممارسات، بحسب الصديقي، تؤدي إلى إفراغ الديمقراطية من مضمونها وتحويلها إلى «ديمقراطية واجهة»، حيث تصبح السياسة خاضعة لضغط المال واللوبيات الاقتصادية.
كما توقف عند انعكاسات هذه الظاهرة على الثقة العامة، موضحا أن انتشار قضايا الفساد والصفقات المشبوهة يغذي الشعبوية ويعمق ازدراء المواطنين للعمل السياسي.
وأكد أن مواجهة هذه الانحرافات، تتطلب إصلاحات صارمة لتعزيز الشفافية، ومراقبة تمويل الحياة السياسي، ومحاسبة المنتخبين.
وفي ما يتعلق بالسياق الوطني، اعتبر الصديقي أن المغرب لم يكن بمنأى عن هذه المظاهر، مشيرا إلى أن سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع أعطى، في نظره، إشارة سلبية في مجال محاربة الفساد.
كما أشار إلى متابعة عدد من البرلمانيين قضائيا، بتهم تتعلق بالفساد وإهدار المال العام، وهو ما يسيء حسب تعبيره إلى صورة المؤسسات التمثيلية ومصداقية العملية الانتخابية.
ودعا الصديقي في مقاله إلى إعادة الاعتبار للعمل السياسي، من خلال القطع مع ممارسات شراء التزكيات، واستغلال المناصب لتحقيق مصالح شخصية.
كما شدد على مسؤولية الأحزاب السياسية في اختيار مرشحين يتمتعون بالمصداقية والنزاهة، مع ضرورة توفير شروط انتخابات نزيهة تضمن تكافؤ الفرص.
ويرى أن المرحلة المقبلة تتطلب أحزابا قوية، وبرلمانا يشرع القوانين ويخدم المصلحة العامة، في ظل التحديات التي تنتظر البلاد خلال السنوات القادمة.