أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، اليوم السبت، أن خدمته الخاصة بحماية اللاعبين والفرق والمسؤولين على وسائل التواصل الاجتماعي رصدت أكثر من سبعة ملايين منشور يحتمل أن يتضمن محتوى ضارا أو مسيئا خلال كأس العالم 2026.
ويكشف هذا الرقم حجم الإساءات على وسائل التواصل خلال كأس العالم 2026، في بطولة تقترب من نهايتها، قبل المباراة النهائية المرتقبة بين الأرجنتين وإسبانيا، يوم الأحد.
وتستهدف خدمة “فيفا” للحماية من الإساءة على المنصات الرقمية رصد التهديدات والتعليقات المسيئة، وحماية اللاعبين والمدربين والحكام وباقي المسؤولين من الاستهداف الرقمي.
الإساءات على وسائل التواصل خلال كأس العالم 2026 ترتفع بقوة
أوضحت “فيفا” أن معدل الرصد ارتفع 14 مرة مقارنة بنسخة 2022، التي حددت خلالها نحو 470 ألف منشور من هذا النوع. ويعكس هذا الارتفاع توسع نطاق المتابعة الرقمية خلال مونديال 2026، كما يعكس حجم التحدي أمام منظمي البطولات الكبرى.
ولا ترتبط هذه الظاهرة بمباراة واحدة أو منتخب معين فقط. فالبطولات العالمية تخلق نقاشا ضخما عبر المنصات. لكنها تفتح أيضا الباب أمام خطاب عدائي يستهدف اللاعبين والأطر الفنية والمسؤولين.
وتظهر خطورة هذه الموجة في طبيعة بعض الرسائل. فالأمر لا يقتصر على انتقادات رياضية عادية. بل يشمل تهديدات، وعبارات عنصرية، ومضامين قد تترك أثرا نفسيا مباشرا على المستهدفين.
الذكاء الاصطناعي يرصد.. والفريق البشري يراجع
راقبت خدمة “فيفا” أكثر من 53 مليون منشور وتعليق منذ انطلاق البطولة. واعتمدت الخدمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد المحتويات المشبوهة، ثم أحالت جزءا منها على فريق متخصص للمراجعة.
وراجع الفريق أكثر من 500 ألف رسالة استهدفت لاعبين ومدربين ومسؤولين خلال البطولة. وتبرز هذه العملية أن الرصد الآلي لا يكفي وحده، لأن تقدير خطورة المحتوى يحتاج إلى مراجعة بشرية دقيقة.
وتساعد هذه المقاربة على تقليل الأخطاء. كما تسمح بالتمييز بين النقد الرياضي المشروع والمحتوى المسيء أو المهدد.
ويكتسي هذا التمييز أهمية كبيرة. فحرية التعبير لا تعني تحويل المنصات إلى فضاء للتهديد أو التحريض أو الإهانة العنصرية.
أكثر من ألف تهديد أحيلت على السلطات
لم تتوقف “فيفا” عند الرصد والمراجعة. فقد أحالت أكثر من ألف تهديد على السلطات، بما في ذلك جهات إنفاذ القانون، وفق ما أعلنته اليوم السبت.
ويؤكد هذا المعطى أن جزءا من الإساءات تجاوز حدود الخطاب العدائي، ليأخذ طابعا يستدعي تدخلا أمنيا أو قانونيا.
وتدفع هذه الأرقام إلى طرح سؤال مهم حول مسؤولية المنصات الرقمية. فالتفاعل الجماهيري جزء من كرة القدم. لكن التهديد والإساءة والعنصرية ليست امتدادا طبيعيا للمنافسة.
كما تطرح الأرقام مسؤولية المستخدمين أنفسهم. فكل تعليق مسيء قد يتحول إلى ضرر حقيقي، خصوصا عندما يستهدف لاعبا أو مدربا بعد مباراة حاسمة.
العنصرية حاضرة في الرسائل المسيئة
كانت “فيفا” قد أفادت، في وقت سابق من الشهر الجاري، بأن الإساءات العنصرية شكلت أكثر من واحد من كل عشرة منشورات مسيئة جرى التحقق منها خلال دور المجموعات في مونديال 2026.
وفي تقريرها الخاص بمرحلة المجموعات، قالت “فيفا” إن خدمتها حللت ستة ملايين منشور وتعليق، وحددت 225 ألف محتوى للمراجعة البشرية، ثم تحققت من أكثر من 89 ألف منشور مسيء واتخذت بشأنه إجراءات.
وتكشف هذه الأرقام أن العنصرية ما زالت حاضرة داخل الفضاء الرقمي الرياضي. كما تؤكد أن الحملات التوعوية وحدها لا تكفي، إذا لم ترافقها آليات رصد ومحاسبة.
وتؤثر الإساءات العنصرية في صورة اللعبة. فهي تضرب القيم التي ترفعها كرة القدم، من احترام وتنوع وتنافس شريف.
حماية اللاعبين لم تعد خيارا ثانويا
أصبحت حماية اللاعبين من الإساءات الرقمية جزءا أساسيا من تنظيم البطولات الكبرى. فاللاعب لا يعيش ضغط الملعب فقط. بل يواجه أيضا موجة تعليقات قد تستمر لساعات أو أيام بعد كل مباراة.
وقد تزيد هذه الموجة بعد إهدار فرصة، أو ارتكاب خطأ، أو خسارة منتخب كبير. وهنا يتحول الغضب الجماهيري إلى استهداف مباشر، قد يصل إلى التهديد والعنصرية.
ولهذا تسعى “فيفا” إلى تطوير خدمة الحماية على وسائل التواصل. فقد بدأت هذه الخدمة قبل مونديال قطر 2022، وواصلت العمل خلال نسخة 2026 بمستوى رصد أوسع.
ويبدو أن توسع البطولة زاد حجم التحدي. فعدد المنتخبات والمباريات والجماهير ارتفع، ومعه ارتفع حجم النقاش الرقمي حول كل تفصيل.
مونديال كبير وتحديات رقمية أكبر
تختتم كأس العالم 2026، يوم الأحد، بالمباراة النهائية بين الأرجنتين وإسبانيا. ومع اقتراب النهاية، لا تبدو الأرقام الرقمية أقل حضورا من الأرقام الرياضية.
فالمونديال لم يكشف فقط عن منتخبات قوية ونجوم بارزين. بل كشف أيضا عن حجم الكراهية التي يمكن أن تنتشر على المنصات خلال المنافسات الكبرى.
وتحتاج كرة القدم إلى مواجهة هذا التحدي بجدية. فالتكنولوجيا تمنح أدوات للرصد والحماية. لكنها تحتاج أيضا إلى تعاون المنصات، وتجاوب السلطات، ووعي الجماهير.
وبين المتعة الكروية وخطاب الكراهية، ترسل أرقام “فيفا” رسالة واضحة. الفوز والخسارة جزء من اللعبة، أما التهديد والعنصرية والإساءة فليست كرة قدم.